كتاب فصول من تاريخ المدينة المنورة

48…
ولكي يضمن فخري باشا الهدوء داخل المدينة ويتفرغ للعمل الحربي- لأن المجاعة تسبب قلقا- أبعد أهل المدينة عنها وسفرهم إلى سورية ولبنان وتركيا وسافر بعضهم إلى مكة جعلهم لاجئين بما في هذه الكلمة من معنى اليوم: سفرهم حتى لم يبق إلا من يعد على أصابع اليد وحتى سميت تلك السنة سنة (سفر برلك) وقد كانوا يغرون أهل المدينة على السفر ويخيرونهم في البلد التي يريدون السفر له ثم صار التسفير بالجبر والاكراه. وأكثر أهل المدينة سفروا لسورية وحلب وتركيا وسافر بعضهم لمكة، فقد كانوا يشحنون شحنا في القطارات، والمجاعة من جهة أخرى تسوقهم سوقاً للسفر وبلغ من قسوة الحصار كما روى من جلس في المدينة أن أكل البعض القطط والكلاب وجثث الموتى وهم لا يعرفونها باعها عليهم بعض المجرمين الذين لا يخافون الله واشتراها من لا يعرفها من الجوع الذي عم البلد وبعض الناس سفر بتهم سياسية وهي التعاون مع الأشراف ولم يخيروا لا في وقت السفر ولا في البلد وقد عينوا للمسافرين رواتب وأرزاق لاعاشتهم. وقاسوا في منفاهم الجماعي أنواع الشدة ومات منهم الكثيرون في الغربة.
وقد بلغ أيضاً من قسوة الحصار وهوله وهوان الأموال أن باع انسان من أهل المدينة دارا بكيس أرز وكنت أعرف اسم البائع واسم المشتري ونسيتهما وكنا صغاراً أثناء هذا الحصار ورحلنا لسورية قبل أن يشتد الحصار في الأفواج الأولى واذكر أن الوالد رحمه الله كان يتحصل على الحنطة بأثمان خيالية وكنا نطحنها في الدار على رحى ويضعها الوالد رحمه الله في أماكن في الدار لا يعرفها أحد بين الرواشين خوف العثور عليها عند التفتيش ولكن الله سلم حتى سافرنا.
ولما أحس الأتراك بحرج الموقف أمروا القائد فخري باشا بالانسحاب إلى سورية في الخط الحديدي مع الاحتفاظ بالقوة ولكنه رفض وأصر على البقاء والحصار واعتصم بالمسجد النبوي ثم باغته كبار ضباطه وهو نائم وأسر وسلموه للأمير علي بن الحسين في جمادي الأولى سنة 1337هـ وقد فني الجيش التركي في المدينة وأطرافها من الجوع والمرض.
المدينة في العهد الهاشمي
وفي شعبان سنة 1334هـ أعلن الشريف حسين بن علي في مكة المكرمة الثورة على…

الصفحة 48