كتاب تنوير المقباس من تفسير ابن عباس

{فَرَجَعَ} فَلَمَّا رَجَعَ {مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ} مَعَ السّبْعين سمع صَوت الْفِتْنَة فَصَارَ {غَضْبَانَ أَسِفاً} حَزينًا {قَالَ يَا قوم أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً} صدقا {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْد} أفتجاوزت عَنْكُم الْمدَّة {أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ} يجب عَلَيْكُم {غَضَبٌ} سخط وَعَذَاب {مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي} فخالفتم
{قَالُواْ} يَا مُوسَى {مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ} مَا خَالَفنَا وَعدك {بِمَلْكِنَا} بعلمنا متعمدين {وَلَكنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً} إجراماً {مِّن زِينَةِ الْقَوْم} من حلي آل فِرْعَوْن فشؤم ذَلِك حملنَا على عبَادَة الْعجل {فَقَذَفْنَاهَا} فطرحنا الْحلِيّ فِي النَّار {فَكَذَلِكَ أَلْقَى السامري} كَمَا ألقينا
{فَأَخْرَجَ لَهُمْ} فصاغ لَهُم السامري من الذَّهَب الَّذِي ألقوا فِي النَّار {عِجْلاً جَسَداً} مجسداً صَغِيرا بِلَا روح {لَّهُ خُوَارٌ} صَوت {فَقَالُواْ} أى شىء هَذَا قَالَ لَهُم االسامرى {هَذَا إِلَهكُم وإله مُوسَى فَنَسِيَ} فَترك السامري طَاعَة الله وَأمره وَيُقَال قَالَ السامري ترك مُوسَى الطَّرِيق وَأَخْطَأ فَقَالَ الله
{أَفَلاَ يَرَوْنَ} يَعْنِي السامري وَأَصْحَابه {أَلاَّ يَرْجِعُ} أَن لَا يرد {إِلَيْهِمْ قَوْلاً} جَوَابا يَعْنِي الْعجل {وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ} لَا يقدر لَهُم {ضَرّاً} دفع الضَّرَر {وَلاَ نَفْعاً} وَلَا جر النَّفْع
{وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ} من قبل مجىء مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام {يَا قوم إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ} ابتليتم بالخوار وَعبادَة الْعجل وَيُقَال أضللتم أَنفسكُم بِعبَادة الْعجل {وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَن فَاتبعُوني} فِي دينه {وَأَطيعُوا أَمْرِي} قولي ووصيتى
{قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ} لن نزال على عبَادَة الْعجل {عَاكِفِينَ} مقيمين {حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} فَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى
{قَالَ} لهارون {يَا هَارُون مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضلوا} الطَّرِيق
{أَلاَّ تَتَّبِعَنِ} لم لَا تتبع وصيتي وَلم تناجزهم الْقِتَال {أَفَعَصَيْتَ} أفتركت {أَمْرِي} وصيتي
{قَالَ} هَارُون لمُوسَى {يَا ابْن أم} ذكر أمه لكَي يرفق بِهِ ويترحم عَلَيْهِ {لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} وَلَا بِشعر رَأْسِي {إِنِّي خَشِيتُ} خفت {أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إِسْرَآئِيلَ} بِالْقَتْلِ {وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} لم تنْتَظر قدومي فَمن ذَلِك تركت الْقِتَال مَعَهم ثمَّ رَجَعَ مُوسَى إِلَى السامري
{قَالَ فَمَا خَطْبُكَ} فَمَا الَّذِي حملك على عبَادَة الْعجل {يَا سامري}
{قَالَ} السامري {بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ} أى رَأَيْت مالم ير بَنو إِسْرَائِيل قَالَ لَهُ مُوسَى وَمَا رَأَيْت دونهم قَالَ رَأَيْت جِبْرِيل على فرس بلقاء أُنْثَى وَهِي دَابَّة الْحَيَاة {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُول} من تُرَاب حافر فرس جِبْرِيل {فَنَبَذْتُهَا} فطرحتها فِي فَم الْعجل وَدبره فخار {وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ} زينت {لِي نَفْسِي}
{قَالَ} لَهُ مُوسَى {فَاذْهَبْ} يَا سامري {فَإِنَّ لَك فِي الْحَيَاة} مَا حيييت {أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ} لَا تخالط أحدا وَلَا يخالطك {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً} أَََجَلًا يَوْم الْقِيَامَة {لَّن تُخْلَفَهُ} لن تجاوزه {وَانْظُر إِلَى إلهك الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً}

الصفحة 265