كتاب تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
أَقمت عَلَيْهِ عابداً {لَّنُحَرِّقَنَّهُ} بالنَّار وَيُقَال لنبردنه بالمبرد {ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي اليم نَسْفاً} لنذرينه فِي الْبَحْر ذَروا
{إِنَّمَآ إِلَهكُم الله الَّذِي لَا إِلَه إِلاَّ هُوَ} بِلَا ولد وَلَا شريك {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً} علم رَبنَا بِكُل شَيْء
{كَذَلِك} هَكَذَا {نَقُصُّ عَلَيْكَ} يَا مُحَمَّد ننزل عَلَيْك جِبْرِيل {مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ} بأخبار الْأُمَم الْمَاضِيَة {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً} قد أكرمناك بِالْقُرْآنِ فِيهِ خبر الْأَوَّلين والآخرين
{مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ} من كفر بِهِ {فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَة وِزْراً} شركا
{خَالِدِينَ فِيهِ} مقيمين فِي عُقُوبَة الْوزر {وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَة حِمْلاً} من الذُّنُوب
{يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّور} النفخة الْأُخْرَى {وَنَحْشُرُ الْمُجْرمين} الْمُشْركين {يَوْمِئِذٍ زُرْقاً} عميا
{يتخافتون بَينهم} يتسارون فِيمَا بَينهم فِي هَذَا القَوْل وَيَقُول بَعضهم لبَعض {إِن لَّبِثْتُمْ} مَا مكثتم فِي الْقُبُور {إِلاَّ عَشْراً} عشرَة أَيَّام
{نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ} فِي الْبَعْث {إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً} أفضلهم عقلا وأصوبهم رَأيا وأصدقهم قولا {إِن لَّبِثْتُمْ} مَا مكثتم فِي الْقُبُور {إِلَّا يَوْمًا}
{ويسألونك} يَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سَأَلته بَنو ثَقِيف {عَن الْجبَال} عَن حَال الْجبَال يَوْم الْقِيَامَة {فَقُلْ} لَهُم يَا مُحَمَّد {يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً} يقلعها رَبِّي قلعاً
{فَيَذَرُهَا} فَيتْرك الأَرْض {قَاعاً} مستوية {صَفْصَفاً} أملس لَا نَبَات فِيهَا
{لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً} وَاديا وَلَا شقوقاً {وَلَا أَمْتاً} وَلَا شَيْئا شاخصاً من الأَرْض وَلَا نباتا
{يَوْمَئِذٍ} وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة {يَتَّبِعُونَ الدَّاعِي} يسرعون ويقصدون إِلَى الدَّاعِي {لاَ عِوَجَ لَهُ} لَا يميلون يَمِينا وَلَا شمالا (وخشعت الْأَصْوَات) ذللت الْأَصْوَات {للرحمن} لهيبة الرَّحْمَن {فَلاَ تَسْمَعُ} يَا مُحَمَّد {إِلاَّ هَمْساً} إِلَّا وطأ خفِيا كَوَطْء الْإِبِل
{يَوْمَئِذٍ} وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة {لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَة} لَا تشفع الْمَلَائِكَة لأحد {إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَن} فِي الشَّفَاعَة {وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} قبل مِنْهُ لَا إِلَه إِلَّا الله
{يَعْلَمُ} الله {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} بَين أَيدي الْمَلَائِكَة من أَمر الْآخِرَة {وَمَا خَلْفَهُمْ} من أَمر الدُّنْيَا {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} لَا يعلمُونَ مَا بَين أَيْديهم وَمَا خَلفهم شَيْئا إِلَّا مَا علمهمْ الله يَعْنِي الْمَلَائِكَة
{وَعَنَتِ الْوُجُوه} نصبت الْوُجُوه فِي الدُّنْيَا بِالسُّجُود وَيُقَال خضعت الْوُجُوه وذلت الْوُجُوه يَوْم الْقِيَامَة {لِلْحَيِّ} الَّذِي لَا يَمُوت {القيوم} الْقَائِم الَّذِي لَا بَدْء لَهُ {وَقَدْ خَابَ} خسر {مَنْ حَمَلَ ظُلْماً} شركا
{وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَات} من الْخيرَات فِيمَا بَينه وَبَين ربه {وَهُوَ مُؤْمِنٌ} مُصدق فِي إيمَانه {فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً} ذهَاب عمله كُله {وَلاَ هَضْماً} وَلَا نُقْصَان عمله
{وَكَذَلِكَ} هَكَذَا {أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} أنزلنَا جِبْرِيل بِالْقُرْآنِ على مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على مجْرى لُغَة الْعَرَبيَّة {وَصَرَّفْنَا فِيهِ} بيّنا فِي الْقُرْآن {مِنَ الْوَعيد} أَي من الْوَعْد والوعيد {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} لكَي يتقوا الْكفْر والشرك وَالْفَوَاحِش {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً} ثَوابًا إِن آمنُوا وَيُقَال شرفاً إِن وحدوا وَيُقَال عذَابا إِن لم يُؤمنُوا
{فتعالى الله الْملك الْحق}
الصفحة 266