كتاب تنوير المقباس من تفسير ابن عباس

{إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ} أَي بِمَا تعْمل يَا مُحَمَّد ويعملون من الْخَيْر {عَلِيمٌ} بثوابه
{وَإِنَّ هَذِه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} ملتكم مِلَّة وَاحِدَة ودينكم دينا وَاحِدًا مُخْتَارًا {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ} رب وَاحِد أكرمتكم بذلك {فاتقون} فأطيعون
{فتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} فَتَفَرَّقُوا فِيمَا بَينهم فِي دينهم {زُبُراً} فرقا فرقا الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكين وَالْمَجُوس {كُلُّ حِزْبٍ} كل أهل دين وَفرْقَة {بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} معجبون
{فَذَرْهُمْ} اتركهم يَا مُحَمَّد {فِي غَمْرَتِهِمْ} فِي جهلهم {حَتَّى حِينٍ} إِلَى حِين الْعَذَاب يَوْم بدر
{أَيَحْسَبُونَ} أيظن أهل الْفرق {أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ} لأنما نعطيهم فِي الدُّنْيَا {مِن مَّالٍ وَبَنِينَ}
{نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخيرَات} مسارعة لَهُم منا فِي الْخيرَات فِي الدُّنْيَا وَيُقَال فِي الْآخِرَة {بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} أَنا مكرمون لَهُم فِي الدُّنْيَا ومهينون لَهُم فِي الْآخِرَة
ثمَّ بيَّن لمن المسارعة فِي الْخيرَات فِي الدُّنْيَا فَقَالَ {إِنَّ الَّذين هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ} من عَذَاب رَبهم {مُّشْفِقُونَ} خائفون لَهُم منا مسارعة فِي الْخيرَات
{وَالَّذين هم بآيَات رَبهم} بِمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْقُرْآن {يُؤْمِنُونَ} يصدقون لَهُم منا مسارعة فِي الْخيرَات
{وَالَّذين هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ} الْأَوْثَان لَهُم منا مسارعة فِي الْخيرَات
{وَالَّذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ} يُعْطون مَا أعْطوا من الصَّدَقَة وينفقون مَا أتفقوا من المَال فِي سَبِيل الله وَيُقَال يعْملُونَ مَا عمِلُوا من الْخيرَات {وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} خائفة {أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} فِي الْآخِرَة فَلَا يقبل مِنْهُم
{أُولَئِكَ} أهل هَذِه الصّفة {يُسَارِعُونَ فِي الْخيرَات} يبادرون فِي الْأَعْمَال الصَّالِحَة {وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} وهم سَابِقُونَ بالخيرات
{وَلَا تكلّف نفس} من الْعَمَل {إِلاَّ وُسْعَهَا} طاقتها {وَلَدَيْنَا} عندنَا {كِتَابٌ يَنطِقُ} وَهُوَ ديوَان الْحفظَة مَكْتُوب فِيهِ حسناتهم وسيئاتهم ينْطق {بِالْحَقِّ} يشْهد عَلَيْهِم بِالصّدقِ وَالْعدْل {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} لَا ينقص من حسناتهم وَلَا يُزَاد على سيئاتهم
{بَلْ قُلُوبُهُمْ} قُلُوب أهل مَكَّة يَعْنِي أَبَا جهل وَأَصْحَابه {فِي غَمْرَةٍ} فِي جهلة وغفلة {مِّنْ هَذَا} الْكتاب وَيُقَال من هَذَا الْقُرْآن {وَلَهُمْ أَعْمَالٌ} مَقْدُور مَكْتُوب عَلَيْهِم {مِّن دُونِ ذَلِك} من دون مَا تَأْمُرهُمْ سوى الْخَيْر {هُمْ لَهَا عَامِلُونَ} فِي الدُّنْيَا حَتَّى أَجلهم يَا مُحَمَّد
{حَتَّى إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ} جبابرتهم ورؤساءهم يَعْنِي أَبَا جهل بن هِشَام والوليد ابْن الْمُغيرَة المَخْزُومِي وَالْعَاص بن وَائِل السَّهْمِي وَعتبَة وَشَيْبَة أَصْحَابهم {بِالْعَذَابِ} بِالْجُوعِ سبع سِنِين {إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} يَتَضَرَّعُونَ قل لَهُم يَا مُحَمَّد
{لاَ تَجْأَرُواْ} لَا تتضرعوا {الْيَوْم} من عذابنا {إِنَّكُمْ مِّنَّا} من عذابنا {لاَ تُنصَرُونَ} لَا تمْنَعُونَ
{قَدْ كَانَتْ آيَاتِي} الْقُرْآن {تتلى} تقْرَأ وَتعرض {عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ على أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ} إِلَى دينكُمْ الأول تميلون ترجعون
{مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ} متعظمين بِالْبَيْتِ تَقولُونَ نَحن أَهله {سَامِراً} تَقولُونَ السمر حوله {تَهْجُرُونَ} تسبون مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأَصْحَابه وَالْقُرْآن
{أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ القَوْل} أفلم يتفكروا فِي الْقُرْآن وَمَا فِيهِ من الْوَعيد {أَمْ جَآءَهُمْ} من الْأَمْن والبراءة يَعْنِي أهل مَكَّة {مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ الْأَوَّلين}
{أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ} نسب رسولهم {فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} جاحدون
{أَمْ يَقُولُونَ} بل يَقُولُونَ {بِهِ جِنَّةٌ} جُنُون {بل جَاءَهُم بِالْحَقِّ} جَاءَهُم مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِالْقُرْآنِ والتوحيد والرسالة {وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ} لِلْقُرْآنِ {كَارِهُونَ} جاحدون

الصفحة 288