كتاب تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
{فَكَانَ مِنَ المدحضين} من المقروعين ذاهبي الْحجَّة فَألْقى نَفسه فِي المَاء
{فالتقمه الْحُوت} السَّمَكَة {وَهُوَ مُلِيمٌ} يلوم نَفسه بِمَا فر من قومه
{فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين} من الْمُصَلِّين من قبل ذَلِك
{لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ} مكث فِي بطن السَّمَكَة {إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} من الْقُبُور
{فَنَبَذْنَاهُ} طرحناه {بالعرآء} الصَّحرَاء على وَجه الأَرْض {وَهُوَ سَقِيمٌ} مَرِيض صَار بدنه كبدن الطِّفْل
{وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ} من قرع وكل شَيْء لَا يقوم على سَاق فَهُوَ اليقطين
{وأرسلناه إِلَى مائَة أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} بل يزِيدُونَ عشْرين ألفا
{فَآمَنُواْ} بِهِ {فَمَتَّعْنَاهُمْ} فأجلناهم {إِلَى حِينٍ} إِلَى وَقت الْمَوْت بِلَا عَذَاب
{فاستفتهم} سل أهل مَكَّة بني مليح {أَلِرَبِّكَ الْبَنَات} الْإِنَاث {وَلَهُمُ البنون} الذُّكُور قَالُوا نعم فَقَالَ لَهُم النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَتَرْضَوْنَ لله مَالا ترْضونَ لأنفسكم
{أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَة إِنَاثاً} كَمَا تَقولُونَ {وَهُمْ شاهدون} حاضرون
{أَلاَ إِنَّهُم} بل إِنَّهُم {مِّنْ إِفْكِهِمْ} من تكذيبهم {ليقولون}
{وَلَدَ الله} حَيْثُ قَالُوا الْمَلَائِكَة بَنَات الله {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} فِي مقالتهم
{أَصْطَفَى الْبَنَات} اخْتَار الْإِنَاث {على الْبَنِينَ} على الذُّكُور
{مَا لكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ} بئْسَمَا تقضون لأنفسكم ترْضونَ لله مَا لَا ترْضونَ لأنفسكم
{أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} أَفلا تتعظون بِمَا يَقُولُونَ
{أَمْ لَكُمْ} يَا أهل مَكَّة {سُلْطَانٌ مُّبِينٌ} كتاب بَين فِيهِ أَن الْمَلَائِكَة بَنَات الله
{فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أَن الْمَلَائِكَة بَنَات الله
{وَجَعَلُواْ} كفار مَكَّة بَنو مليح {بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجنَّة نَسَباً} بَين الله وَبَين الْمَلَائِكَة نسبا حَيْثُ قَالُوا الْمَلَائِكَة بَنَات الله وَيُقَال نزلت فِي الزَّنَادِقَة حَيْثُ قَالُوا إِبْلِيس لَعنه الله مَعَ الله شريك الله خَالق الْخَيْر وإبليس خَالق الشَّرّ {وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجنَّة} الْمَلَائِكَة {إِنَّهُمْ} يَعْنِي كفار مَكَّة بني مليح {لَمُحْضَرُونَ} معذبون فِي النَّار
{سُبْحَانَ الله} نزه نَفسه {عَمَّا يَصِفُونَ} عَمَّا يَقُولُونَ من الْكَذِب
{إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين} فِي الْعِبَادَة والتوحيد فَإِنَّهُم لَا يكذبُون على الله وَيُقَال إِنَّهُم لمحضرون لمعذبون إِلَّا عباد الله المخلصين المعصومين من الْكفْر والشرك وَالْفَوَاحِش
{فَإِنَّكُمْ} يَا أهل مَكَّة {وَمَا تَعْبُدُونَ} من دون الله
{مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ} على عِبَادَته {بِفَاتِنِينَ} بمضلين
{إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيم} دَاخل النَّار مَعكُمْ وَهُوَ إِبْلِيس وَيُقَال إِلَّا من قدرت عَلَيْهِ أَنه دَاخل النَّار مَعكُمْ
{وَمَا مِنَّآ} قَالَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَمَا منا {إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} مَعْرُوف فِي السَّمَاء
{وَإِنَّا لَنَحْنُ الصآفون} فِي الصَّلَاة
{وَإِنَّا لَنَحْنُ المسبحون} المصلون
{وَإِن كَانُواْ} وَقد كَانَ أهل مَكَّة {لَيَقُولُونَ} قبل مجىء مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَيْهِم
{لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنَ الْأَوَّلين} رَسُولا مثل رسل الْأَوَّلين كَمَا كَانَ للأولين
{لَكُنَّا عِبَادَ الله المخلصين} الْمُوَحِّدين
{فَكَفرُوا بِهِ} بِمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْقُرْآن حِين جَاءَهُم {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} مَاذَا يفعل بهم عِنْد الْمَوْت وَفِي الْقَبْر وَيَوْم الْقِيَامَة
{وَلَقَدْ سَبَقَتْ} وَجَبت {كَلِمَتُنَا} بالنصرة والدولة {لِعِبَادِنَا الْمُرْسلين}
الصفحة 379