كتاب تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
فِيمَا بَينهم وَبَين رَبهم {وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} مَالا يظْلمُونَ فَخَرَجَا من حَيْثُ دخلا {وَظن دَاوُد} علم وأيقن بعد لَك {أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} ابتليناه بالذنب الَّذِي كَانَ مِنْهُ {فَاسْتَغْفر رَبَّهُ} من الذَّنب {وَخَرَّ رَاكِعاً} سَاجِدا {وَأَنَابَ} أقبل إِلَى الله بِالتَّوْبَةِ والندامة
{فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ} الذَّنب {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى} قربى فِي الدَّرَجَات {وَحُسْنَ مَآبٍ} مرجع فى الْآخِرَة
{يَا دَاوُد إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْض} نَبيا ملكا على بني إِسْرَائِيل {فاحكم بَيْنَ النَّاس بِالْحَقِّ} بِالْعَدْلِ {وَلاَ تَتَّبِعِ الْهوى} كَمَا اتبعت فِي بتشايع امْرَأَة أوريا وَكَانَت بنت عَم دَاوُد {فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله} عَن طَاعَة الله {إِنَّ الَّذين يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ الله} عَن طَاعَة الله {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحساب} بِمَا تركُوا الْعَمَل ليَوْم الْحساب
{وَمَا خَلَقْنَا السمآء وَالْأَرْض وَمَا بَيْنَهُمَا} من الْخلق والعجائب {بَاطِلاً} عَبَثا جزَافا بِلَا أَمر وَلَا نهي {ذَلِك ظَنُّ الَّذين كَفَرُواْ} إِنْكَار الَّذين كفرُوا بِالْبَعْثِ بعد الْمَوْت {فَوَيْلٌ} فشدة الْعَذَاب {لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ} بِالْبَعْثِ بعد الْمَوْت {مِنَ النَّار} فِي النَّار
{أم نجْعَل الَّذين آمنُوا} بِمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالْقُرْآن {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَات} الطَّاعَات فِيمَا بَينهم وَبَين رَبهم وَهُوَ عَليّ بن أبي طَالب وَحَمْزَة ابْن عبد الْمطلب وَعبيدَة بن الْحَارِث {كالمفسدين} كالمشركين {فِي الأَرْض} وَهُوَ عتبَة وَشَيْبَة ابْنا ربيعَة والوليد بن عتبَة {أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ} الْكفْر والشرك وَالْفَوَاحِش عليا وصاحباه {كالفجار} كالكفار وَعتبَة وَشَيْبَة والوليد وهم الَّذين بارزوا يَوْم بدر عليا وَحَمْزَة وَعبيدَة فَقتل عَليّ الْوَلِيد بن عتبَة وَقتل حَمْزَة عتبَة بن ربيعَة وَقتل عُبَيْدَة شيبَة
{كِتَابٌ} هَذَا كتاب {أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ} أنزلنَا جِبْرِيل بِهِ إِلَيْك {مُبَارَكٌ} فِيهِ الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة لمن آمن بِهِ {ليدبروا آيَاتِهِ} لكَي يتفكروا فِي آيَاته {وليتذكر} لكى يتعظ {أولُوا الْأَلْبَاب} ذَوُو الْعُقُول من النَّاس
{وَوَهَبْنَا لداود سُلَيْمَانَ نِعْمَ العَبْد إِنَّهُ أَوَّابٌ} مقبل إِلَى الله وَإِلَى طَاعَته
{إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بالْعَشي} بعد الظّهْر {الصافنات} الْخَيل العراب الخوالص {الْجِيَاد} السراع وَيُقَال الصافنات هُوَ الْفرس إِذا قَامَ بِثَلَاث قَوَائِم وَرفع إِحْدَى يَدَيْهِ حَتَّى يكون على طرف الْحَافِر
{فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْر} اخْتَرْت المَال {عَن ذِكْرِ رَبِّي} على طَاعَة رَبِّي {حَتَّى تَوَارَتْ} الشَّمْس {بالحجاب} بجبل قَاف
{رُدُّوهَا عَلَيَّ} مَا عرض عَليّ فردوها {فَطَفِقَ} عمد {مَسْحاً بِالسوقِ} ضرب سوقهن {والأعناق} وأعناقهن وَيُقَال فَطَفِقَ مسحاً بِالسوقِ والأعناق حَتَّى تَوَارَتْ بالحجاب حَتَّى غَابَتْ الشَّمْس وَذَهَبت مِنْهُ صَلَاة الْعَصْر فَمن أجل ذَلِك فعل مَا فعل
{وَلَقَدْ فَتَنَّا} ابتلينا {سُلَيْمَانَ} بذهاب ملكه أَرْبَعِينَ يَوْمًا بِقدر مَا عبد الصَّنَم فِي بَيته مَكَان كل يَوْم يَوْمًا {وَأَلْقَيْنَا} أجلسنا {على كُرْسِيِّهِ جَسَداً} شَيْطَانا {ثُمَّ أَنَابَ} ثمَّ رَجَعَ إِلَى ملكه وَإِلَى طَاعَة ربه وَتَابَ من ذَنبه
{قَالَ رَبِّ اغْفِر لِي} ذَنبي {وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي} لَا يصلح {لأَحَدٍ مِّن بعدِي} وَيُقَال لَا يسلب فِيمَا بَقِي كَمَا سلب الْمرة الأولى {إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّاب} بِالْملكِ والنبوة لمن شِئْت
{فَسَخَّرْنَا لَهُ الرّيح} بعد ذَلِك {تَجْرِي بِأَمْرِهِ} بِأَمْر الله وَيُقَال بِأَمْر سُلَيْمَان {رُخَآءً} لينَة {حَيْثُ أَصَابَ} أَرَادَ
{وَالشَّيَاطِين} وسخرنا لَهُ الشَّيَاطِين {كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ} فِي قَعْر الْبَحْر
الصفحة 382