كتاب تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
من يعِيش مائَة سنة أَو ثَمَانِينَ سنة أَو خمسين سنة أَو أقل أَو أَكثر من ذَلِك {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} بعاجزين
{على أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ} نهلككم ونأتي بغيركم خيرا مِنْكُم وأطوع لله {وَنُنشِئَكُمْ} نخلقكم يَوْم الْقِيَامَة {فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ} فِي صُورَة لَا تعرفُون سود الْوُجُوه زرق الْأَعْين وَيُقَال فِي صُورَة القردة والخنازير وَيُقَال نجْعَل أرواحكم فِيمَا لَا تعلمُونَ فِيمَا لَا تصدقُونَ وَهِي النَّار
{وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ} يَا أهل مَكَّة {النشأة الأولى} الْخلق الأول فِي بطُون الْأُمَّهَات وَيُقَال خلق آدم {فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ} فَهَلا تتعظون بالخلق الأول فتؤمنوا بالخلق الآخر
{أَفَرَأَيْتُم مَا تَحْرُثُونَ} تبذرون من الْحُبُوب
{أأنتم} يَا أهل مَكَّة {تَزْرَعُونَهُ} تنبتونه {أَمْ نَحْنُ الزارعون} المنبتون
{لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ} يَعْنِي الزَّرْع {حُطَاماً} يَابسا بعد خضرته {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} فصرتم تعْجبُونَ من يبوسته وهلاكه وتقولون
{إِنَّا لَمُغْرَمُونَ} معذبون بِهَلَاك زروعنا
{بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} حرمنا مَنْفَعَة زروعنا وَيُقَال محاربون
{أَفَرَأَيْتُمُ المآء} العذب {الَّذِي تَشْرَبُونَ} وتسقون دوابكم وجناتكم
{أأنتم} يَا أهل مَكَّة {أَنزَلْتُمُوهُ} المَاء العذب {مِنَ المزن} من السَّحَاب عَلَيْكُم {أَمْ نَحْنُ المنزلون} بل نَحن المنزلون عَلَيْكُم لَا أَنْتُم
{لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ} يَعْنِي المَاء العذب {أُجَاجاً} مراماً لحاً زعاقاً {فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ} فَلَا تشكرون عذوبته فتؤمنوا بِهِ
{أَفَرَأَيْتُمُ النَّار الَّتِي تُورُونَ} تقدحون عَن كل عود غير الْعنَّاب وَهُوَ الشّجر الْأَحْمَر
{أأنتم} يَا أهل مَكَّة {أَنشَأْتُمْ} خلقْتُمْ {شَجَرَتَهَآ} شَجَرَة النَّار {أَمْ نَحْنُ المنشئون} الْخَالِقُونَ
{نَحْنُ جَعَلْنَاهَا} هَذِه النَّار {تَذْكِرَةً} عظة النَّار الْآخِرَة {وَمَتَاعاً} مَنْفَعَة لِّلْمُقْوِينَ الْمُسَافِرين فِي الأَرْض القواء وَهِي القفر الَّذين فني زادهم
{فَسَبِّحْ باسم رَبِّكَ الْعَظِيم} فصل باسم رَبك الْعَظِيم وَيُقَال اذكر تَوْحِيد رَبك الْعَظِيم
{فَلاَ أُقْسِمُ} يَقُول أقسم {بِمَوَاقِعِ النُّجُوم} بنزول الْقُرْآن على مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نجوماً نجوماً وَلم ينزله جملَة وَاحِدَة
{وَإِنَّهُ} يَعْنِي الْقُرْآن {لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} لَو تصدقُونَ وَيُقَال فَلَا أقسم يَقُول أقسم بمواقع النُّجُوم بمساقط النُّجُوم عِنْد الْغَدَاة وَإنَّهُ وَالَّذِي ذكرت لقسم عَظِيم لَو تعلمُونَ لَو تصدقُونَ
{إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} شرِيف حسن
{فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ} فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ مَكْتُوب وَلِهَذَا كَانَ الْقسم
{لاَّ يَمَسُّهُ} يَعْنِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ {إِلاَّ الْمُطهرُونَ} من الْأَحْدَاث والذنُوب فهم الْمَلَائِكَة وَيُقَال لَا يعْمل بِالْقُرْآنِ إِلَّا الموفقون
{تَنزِيلٌ} تكليم {مِّن رَّبِّ الْعَالمين} على مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
{أفبهذا الحَدِيث} أَي الْقُرْآن الَّذِي يقْرَأ عَلَيْكُم مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم {أَنتُمْ} يَا أهل مَكَّة {مُّدْهِنُونَ} مكذبون أَنه لَيْسَ كَمَا قَالَ من الْجنَّة وَالنَّار والبعث والحساب
{وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ} تَقولُونَ للمطر الَّذِي سقيتم {أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} تَقولُونَ سقينا بالنوء الْفُلَانِيّ
{فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ} الرّوح {الْحُلْقُوم} يَعْنِي نفس الْجَسَد إِلَى الْحُلْقُوم
{وَأَنتُمْ} يَا أهل مَكَّة {حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ} مَتى تخرج نَفسه
{وَنحن أقرب إِلَيْهِ} ملك الْمَوْت وأعوانه أقرب إِلَى الْمَيِّت {مِنكُمْ} من أَهله {وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ} ملك الْمَوْت وأعوانه
{فَلَوْلاَ} فَهَلا {إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ} غير ملومين وَغير مجازين ومحاسبين
{تَرْجِعُونَهَآ} روح الْجَسَد إِلَى الْجَسَد {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أَنكُمْ غير مدينين
{فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المقربين} إِلَى جنَّة عدن
{فَرَوْحٌ} فراحة لَهُم فِي الْقَبْر وَيُقَال رَحْمَة إِن قَرَأت بِضَم الرَّاء {وَرَيْحَانٌ} إِذا خَرجُوا من الْقُبُور وَيُقَال رزق {وجنة نَعِيمٍ} يَوْم الْقِيَامَة لَا يفنى نعيمها
{وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمين} من أهل الْجنَّة فكلهم اصحاب الْيَمين
{فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمين} فسلام لَك وَأمن لَك من أهل الْجنَّة قد سلم الله أَمرهم ونجاهم وَيُقَال يسلم عَلَيْك أهل الْجنَّة
{وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المكذبين} بِاللَّه وَالرَّسُول وَالْكتاب {الضآلين} عَن الْإِيمَان
{فَنُزُلٌ} فطعامهم من زقوم وشرابهم
الصفحة 455