كتاب تنوير المقباس من تفسير ابن عباس

فِي الدُّنْيَا فَنزل
{أَفَنَجْعَلُ الْمُسلمين} ثَوَاب الْمُسلمين فِي الْجنَّة {كالمجرمين} كثواب الْمُشْركين وهم أهل النَّار وَيُقَال أفنجعل ثَوَاب الْمُشْركين فِي الْآخِرَة كثواب الْمُسلمين
{مَا لَكُمْ} يَا أهل مَكَّة {كَيْفَ تَحْكُمُونَ} بئس مَا تقضون لأنفسكم
{أم لكم كتاب فِيهِ تدرسون} تقرءون
{إِنَّ لَكُمْ فِيهِ} فِي الْكتاب {لَمَا تَخَيَّرُونَ} تشتهون فِي الْآخِرَة من الْجنَّة
{أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ} عهود {عَلَيْنَا} بالأيمان {بَالِغَةٌ} وَثِيقَة {إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ} تقضون لأنفسكم فِي الْآخِرَة من الْجنَّة
{سَلْهُمْ} يَا مُحَمَّد {أَيُّهُم بذلك} بِمَا يَقُولُونَ {زعيم} كَفِيل
{أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ} آلِهَة {فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ} بآلهتهم {إِن كَانُواْ صَادِقِينَ} أَن لَهُم مَا قَالُوا وَمَا يَقُولُونَ
{يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} عَن أَمر كَانُوا فِي عمى مِنْهُ فِي الدُّنْيَا وَيُقَال عَن أَمر شَدِيد فظيع وَيُقَال عَن عَلامَة بَينهم وَبَين رَبهم {وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُود} بعد مَا قَالُوا وَالله رَبنَا مَا كُنَّا مُشْرِكين وَلَا منافقين {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} السُّجُود وَبقيت صلابهم كالصياصي مثل حصون الْحَدِيد
{خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ} ذليلة أَبْصَارهم لَا يرَوْنَ خيرا {تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} تعلوهم كآبة وكسوف وَهُوَ السوَاد على الْوُجُوه {وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ} فِي الدُّنْيَا {إِلَى السُّجُود} إِلَى الخضوع لله بِالتَّوْحِيدِ فَلم يخضعوا لله بِالتَّوْحِيدِ {وَهُمْ سَالِمُونَ} أصحاء معافون
{فَذَرْنِي} يَا مُحَمَّد {وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الحَدِيث} بِهَذَا الْكتاب {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ} سنأخذهم يَعْنِي الْمُسْتَهْزِئِينَ بِالْقُرْآنِ {مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} لَا يَشْعُرُونَ فأهلكهم الله فِي يَوْم وَلَيْلَة وَكَانُوا خَمْسَة نفر
{وَأُمْلِي لَهُمْ} أمهلهم {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} عَذَابي شَدِيد
{أَمْ تَسْأَلُهُمْ} تسْأَل أهل مَكَّة {أَجْراً} جعلا وَرِزْقًا على الْإِيمَان {فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ} من الْغرم {مُّثْقَلُونَ} بالإجابة
{أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْب} اللَّوْح الْمَحْفُوظ {فَهُمْ يَكْتُبُونَ} مِنْهُ مَا يخاصمونك بِهِ
{فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ} على تَبْلِيغ رِسَالَة رَبك وَيُقَال ارْض بِقَضَاء رَبك {وَلاَ تَكُن} ضجوراً ضيق الْقلب فِي أَمر الله {كَصَاحِبِ الْحُوت} كضجر يُونُس بن مَتى {إِذْ نَادَى} دَعَا ربه فِي بطن الْحُوت {وَهُوَ مَكْظُومٌ} مجهود مغموم
{لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّه} رَحْمَة من ربه {لَنُبِذَ} لطرح {بالعرآء} على الصَّحرَاء {وَهُوَ مَذْمُومٌ} ملوم مذنب
{فاجتباه رَبُّهُ} فاصطفاه ربه بِالتَّوْبَةِ {فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحين} من الْمُرْسلين
{وَإِن يَكَادُ الَّذين كَفَرُواْ} كفار مَكَّة {لَيُزْلِقُونَكَ} ليصرعونك {بِأَبْصَارِهِمْ} وَيُقَال يعينونك بأعينهم {لَمَّا سَمِعُواْ الذّكر} قراءتك الْقُرْآن {وَيَقُولُونَ} يَعْنِي كفار مَكَّة {إِنَّهُ} يعنون مُحَمَّدًا {لَمَجْنُونٌ} يختنق
{وَمَا هُوَ} يَعْنِي الْقُرْآن {إِلاَّ ذِكْرٌ} عظة {للْعَالمين} للجن وَالْإِنْس
وَمن السُّورَة الَّتِى يذكر فِيهَا الحاقة وهى كلهَا مَكِّيَّة آياتها خَمْسُونَ آيَة وكلماتها مِائَتَان وست وَخَمْسُونَ وحروفها ألف وَأَرْبَعمِائَة وَثَمَانُونَ
{بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم}
وبإسناده عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى {الحاقة مَا الحآقة} يَقُول السَّاعَة مَا السَّاعَة يُعجبهُ بذلك
{وَمَآ أَدْرَاكَ} يَا مُحَمَّد {مَا الحاقة} وَإِنَّمَا سميت الحاقة لحقائق الْأُمُور تحق لِلْمُؤمنِ بإيمانه الْجنَّة وتحق للْكَافِرِ بِكُفْرِهِ النَّار
{كَذَّبَتْ ثَمُودُ} قوم صَالح {وَعَادٌ} قوم هود {بالقارعة} بِقِيَام السَّاعَة وَإِنَّمَا سميت القارعة لِأَنَّهَا تقرع قُلُوبهم
{فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية} بطغيانهم وشركهم أهلكوا وَيُقَال طغيانهم حملهمْ على التَّكْذِيب حَتَّى أهلكوا
{وَأَمَا عَادٌ} قوم هود {فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ}

الصفحة 482