كتاب تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
{خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} وَيُقَال من الله يَأْتِي هَذَا الْعَذَاب على الْكَافرين فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة وَيُقَال لَو ولي محاسبة الْخَلَائق إِلَى أحد غير الله لم يفرغ مِنْهُ خمسين ألف سنة
{فاصبر} على أذاهم يَا مُحَمَّد {صَبْراً جَمِيلاً} بِلَا جزع وَلَا فحش وَيُقَال فاعتزل عَنْهُم اعتزالاً جميلاً بِلَا جزع وَلَا فحش فَأمر بعد ذَلِك بِالْقِتَالِ
{إِنَّهُمْ} كَانُوا يَعْنِي كفار مَكَّة {يَرَوْنَهُ} يَعْنِي الْعَذَاب يَوْم الْقِيَامَة {بَعِيداً} غير كَائِن
{وَنَرَاهُ قَرِيباً} كَائِنا لِأَن كل آتٍ كَائِن قريب
ثمَّ بيَّن عَذَابهمْ مَتى يكون فَقَالَ {يَوْمَ تَكُونُ السمآء} تصير السَّمَاء {كَالْمهْلِ} كدردي الزَّيْت وَيُقَال كالفضة المذابة
{وَتَكُونُ} تصير {الْجبَال كالعهن} كالصوف المندوف
{وَلاَ يسْأَل حَمِيمٌ حَمِيماً} قرَابَة عَن قرَابَة
{يُبَصَّرُونَهُمْ} يرونهم وَلَا يعرفونهم اشتغالاً بِأَنْفسِهِم {يَوَدُّ} يتَمَنَّى {المجرم} يَعْنِي الْمُشرك أَبَا جهل وَأَصْحَابه وَيُقَال النَّضر وَأَصْحَابه {لَوْ يَفْتَدِي} يفادي نَفسه {مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ} يَوْم الْقِيَامَة {بِبَنِيهِ} أَوْلَاده
{وَصَاحِبَتِهِ} زَوجته {وَأَخِيهِ} من أَبِيه وَأمه
{وَفَصِيلَتِهِ} وبقرابته وعشيرته {الَّتِي تُؤْوِيهِ} ينتمي إِلَيْهَا
{وَمَن فِي الأَرْض جَمِيعاً} وبمن فِي الأَرْض جَمِيعًا {ثُمَّ يُنجِيهِ} أَي الله من الْعَذَاب
{كَلاَّ} حَقًا وَهُوَ رد عَلَيْهِ لَا ينجيه الله من الْعَذَاب {إِنَّهَا لظى} يَعْنِي اسْما من أَسمَاء النَّار
{نَزَّاعَةً للشوى} قلاعة لأعضاء الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ وَسَائِر الْأَعْضَاء وَيُقَال حراقة للبدن
{تدعوا} إِلَى نَفسهَا إِلَيّ أَيهَا الْكَافِر وإلي أَيهَا الْمُنَافِق {مَنْ أَدْبَرَ} عَن التَّوْحِيد {وَتَوَلَّى} عَن الْإِيمَان وَلم يتب من الْكفْر
{وَجَمَعَ} المَال فِي الدُّنْيَا {فأوعى} جعله فِي الْوِعَاء فَمنع حق الله مِنْهُ
{إِن الْإِنْسَان} يعْنى الْكَافِر {خلق هلوعا} ضجور بَخِيلًا حَرِيصًا ممسكاً
{إِذَا مَسَّهُ الشَّرّ} الْفقر والشدة {جَزُوعاً} جازعاً لَا يصبر
{وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْر} المَال وَالسعَة {مَنُوعاً} منع حق الله مِنْهُ وَلَا يشْكر
{إِلاَّ الْمُصَلِّين} أهل الصَّلَوَات الْخمس فَإِنَّهُم لَيْسُوا كَذَلِك
ثمَّ بيَّن نعتهم فَقَالَ {الَّذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ} الْمَكْتُوبَة {دَآئِمُونَ} يديمون عَلَيْهَا بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار فَلَا يدعونها
{وَالَّذين فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ} يرَوْنَ فِي أَمْوَالهم حَقًا مَعْلُوما غير الزَّكَاة
{لِّلسَّآئِلِ} الَّذِي يسْأَل مَالك {والمحروم} الَّذِي حرم أجره وغنيمته وَيُقَال هُوَ المحترف الَّذِي لَا تفي حرفته بمعيشته وقوته وَيُقَال هُوَ الْفَقِير الَّذِي لَا يسْأَل وَلَا يعْطى وَلَا يفْطن بِهِ
{وَالَّذين يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدّين} بِيَوْم الْحساب بِمَا فِيهِ
{وَالَّذين هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ} خائفون
{إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ} لم يَأْتهمْ الْأمان من رَبهم
{وَالَّذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} يعفون عَن الْحَرَام
{إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ} الْأَرْبَع
{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} من الولائد بِغَيْر عدد {فَأِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} وَلَا آثمين بذلك لَا يلامون بذلك الْحَلَال {فَمَنِ ابْتغى وَرَآءَ ذَلِك} طلب سوى مَا ذكرت من الْأزْوَاج والولائد {فَأُولَئِك هُمُ العادون} المعتدون من الْحَلَال إِلَى الْحَرَام
{وَالَّذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ} لما ائتمنوا عَلَيْهِ من أَمر الدّين وَغَيره {وَعَهْدِهِمْ} فِيمَا بَينهم وَبَين رَبهم أَو فِيمَا بَينهم وَبَين النَّاس وَيُقَال بحلفهم بِاللَّه {رَاعُونَ} حافظون لَهُ بِالْوَفَاءِ والتمام إِلَى أَجله
{وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ} عِنْد الْحُكَّام إِذا دعوا وَلَا يكتمونها
{وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ} على أَوْقَات صلَاتهم الْخمس يُحَافِظُونَ
{أُولَئِكَ} أهل هَذِه الصّفة {فِي جَنَّاتٍ} بساتين {مُّكْرَمُونَ} بالثواب والتحف والهدايا
{فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ} كفار مَكَّة الْمُسْتَهْزِئِينَ وَغَيرهم {قِبَلَكَ} حولك {مُهْطِعِينَ} ناظرين إِلَيْك لَا يدنون إِلَيْك مُتَفَرّقين
الصفحة 485