كتاب تنوير المقباس من تفسير ابن عباس

يَقُول فليتفكر فِي نَفسه من أَي شَيْء خلقه نسمَة
ثمَّ بيَّن لَهُ فَقَالَ {مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ} نسمَة {فَقَدَّرَهُ} قدر خلقه باليدين وَالرّجلَيْنِ والعينين والأذنين وَسَائِر الْأَعْضَاء
{ثُمَّ السَّبِيل يَسَّرَهُ} طَرِيق الْخَيْر وَالشَّر بَينه وَيُقَال سَبِيل الرَّحِم يسره بِالْخرُوجِ
{ثُمَّ أَمَاتَهُ} بعد ذَلِك {فَأَقْبَرَهُ} فَأمر بِهِ فقبر
{ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ} بَعثه من الْقَبْر
{كَلاَّ} حَقًا يَا مُحَمَّد {لَمَّا} لم {يَقْضِ} وَالْألف هَهُنَا صلَة لم يزدْ {مَآ أَمَرَهُ} الَّذِي أمره الله من التَّوْحِيد وَغَيره
{فَلْيَنظُرِ الْإِنْسَان} فليتفكر الْكَافِر عتبَة بن أبي لَهب {إِلَى طَعَامِهِ} فِي رزقه الَّذِي يَأْكُلهُ كَيفَ يحول من حَال إِلَى حَال حَتَّى يَأْكُلهُ
ثمَّ بيَّن لَهُ تحويله فَقَالَ {أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً} يَعْنِي الْمَطَر على الأَرْض صبا
{ثُمَّ شَقَقْنَا} صدعنا {الأَرْض شَقّاً} صدعاً بالنبات
{فَأَنبَتْنَا فِيهَا} فِي الأَرْض {حَبّاً} الْحُبُوب كلهَا
{وَعِنَباً} يَعْنِي الكروم {وَقَضْباً} قتاً وَيُقَال هُوَ الرّطبَة
{وَزَيْتُوناً} شَجَرَة الزَّيْتُون {وَنَخْلاً} يَعْنِي النخيل
{وَحَدَآئِقَ} مَا أحيط عَلَيْهَا من الشّجر والنخيل {غُلْباً} غلاظا طوَالًا
{وَفَاكِهَةً} وألوان الْفَاكِهَة {وَأَبّاً} يَعْنِي الْكلأ وَيُقَال وَهُوَ التِّبْن
{مَّتَاعاً لَّكُمْ} مَنْفَعَة الْحُبُوب وَغَيرهَا {وَلأَنْعَامِكُمْ} الْكلأ
{فَإِذَا جَآءَتِ الصآخة} وَهُوَ قيام السَّاعَة صَاح وخضع وانقاد وَأجَاب لَهَا كل شَيْء وتذل الْخَلَائق ويعلمون أَنَّهَا كائنة
ثمَّ بيَّن مَتى تكون فَقَالَ {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْء} الْمُؤمن {مِنْ أَخِيهِ} الْكَافِر
{وَأُمِّهِ} ويفر من أمه {وَأَبِيهِ} ويفر من أَبِيه
{وَصَاحِبَتِهِ} ويفر من زَوجته {وَبَنِيهِ} ويفر من بنيه وَيُقَال يفر هابيل من قابيل وَمُحَمّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من أمه آمِنَة وَإِبْرَاهِيم من أَبِيه ولوطاً من زَوجته واعلة ونوح من ابْنه كنعان
{لكل امْرِئ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ} يَوْم الْقِيَامَة {شَأْنٌ يُغْنِيهِ} عمل يشْغلهُ عَن غَيره
{وُجُوهٌ} وُجُوه الْمُؤمنِينَ المصدقين فِي إِيمَانهم {يَوْمَئِذٍ} يَوْم الْقِيَامَة {مُّسْفِرَةٌ} مشرقة بِرِضا الله عَنْهَا
{ضَاحِكَةٌ} معجبة بكرامة الله لَهَا {مُّسْتَبْشِرَةٌ} مسرورة بِثَوَاب الله
{وَوُجُوهٌ} وُجُوه الْمُنَافِقين وَالْكفَّار {يَوْمَئِذٍ} يَوْم الْقِيَامَة {عَلَيْهَا غَبَرَةٌ} غُبَار
{تَرْهَقُهَا} تعلوها وتغشاها {قَتَرَةٌ} كآبة وكسوف
{أُولَئِكَ} أهل هَذِه الصّفة {هُمُ الْكَفَرَة} بِاللَّه {الفجرة} الكذبة على الله
وَمن السُّورَة الَّتِى يذكر فِيهَا إِذا الشَّمْس كورت وهى كلهَا مَكِّيَّة آياتها تسع وَعِشْرُونَ وكلماتها مائَة وَأَرْبع وحروفها خَمْسمِائَة وَثَلَاثَة وَثَلَاثُونَ حرفا
{بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم}
وبإسناده عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى {إِذَا الشَّمْس كُوِّرَتْ} يَقُول تكور كَمَا تكور الْعِمَامَة ويرمى بهَا فِي حجاب النُّور وَيُقَال دهورت وَيُقَال ذهب ضوؤها
{وَإِذَا النُّجُوم انكدرت} تساقطت على وَجه الأَرْض
{وَإِذَا الْجبَال سُيِّرَتْ} ذهبت عَن وَجه الأَرْض
{وَإِذَا العشار} النوق الْحَوَامِل {عُطِّلَتْ} عطلها أَرْبَابهَا اشتغالا بِأَنْفسِهِم
{وَإِذَا الوحوش حُشِرَتْ} الْبَهَائِم للْقصَاص وَيُقَال حشرها مَوتهَا
{وَإِذَا الْبحار سُجِّرَتْ} فتحت بَعْضهَا فِي بعض المالح فِي العذب فَصَارَت بحراً وَاحِدًا وَيُقَال صيرت نَارا
{وَإِذَا النُّفُوس زُوِّجَتْ} قرنت بالأزواج وَيُقَال قرنت بقرينها الْمُؤمن بحور الْعين وَالْكَافِر بالشيطان والصالح بالصالح والفاجر بالفاجر
{وَإِذا الموؤودة} المقتولة المدفونة {سُئِلَتْ} أَي سَأَلت أَبَاهَا

الصفحة 502