كتاب تنوير المقباس من تفسير ابن عباس

{بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاة الدُّنْيَا} تختارون الْعَمَل للدنيا وثواب الدُّنْيَا على ثَوَاب الْآخِرَة
{وَالْآخِرَة} عمل الْآخِرَة وثواب الْآخِرَة {خَيْرٌ} أفضل من ثَوَاب الدُّنْيَا وَعمل الدُّنْيَا {وَأبقى} أدوم
{إِنَّ هَذَا} من قَوْله قد أَفْلح إِلَى هَهُنَا {لَفِي الصُّحُف الأولى} فِي كتب الْأَوَّلين {صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ ومُوسَى} كتاب مُوسَى التَّوْرَاة وَكتاب إِبْرَاهِيم يعلم الله بذلك
وَمن السُّورَة الَّتِى يذكر فِيهَا الغاشية وهى كلهَا مَكِّيَّة آياتها سِتّ وَعِشْرُونَ وكلماتها اثْنَتَانِ وَتسْعُونَ وحروفها ثلثمِائة وَأحد وَثَمَانُونَ حرفا
{بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم}
وبإسناده عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى {هَلْ أَتَاكَ} يَقُول مَا أَتَاك يَا مُحَمَّد ثمَّ أَتَاك وَيُقَال قد أَتَاك {حَدِيثُ الغاشية} خبر قيام السَّاعَة وَيُقَال الغاشية هِيَ غاشية النَّار على أَهلهَا
{وُجُوهٌ} وُجُوه الْمُنَافِقين وَالْكفَّار {يَوْمَئِذٍ} يَوْم الْقِيَامَة {خَاشِعَةٌ} ذليلة بِالْعَذَابِ
{عَامِلَةٌ} تجر فِي النَّار {نَّاصِبَةٌ} فِي تَعب وعناء وَيُقَال عاملة فِي الدُّنْيَا ناصبة فِي الْآخِرَة وهم الرهبان وَأَصْحَاب الصوامع وَيُقَال هم الْخَوَارِج
{تصلى} تدخل {نَاراً حَامِيَةً} حارة قد انْتهى حرهَا
{تسقى} فِي النَّار {مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} حارة
{لَّيْسَ لَهُمْ} فِي تِلْكَ الدَّرك {طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ} وَهُوَ الشبرق نبت يكون بطرِيق مَكَّة إِذا كَانَ رطبا تَأْكُل مِنْهُ الْإِبِل وَإِذا يبس صَار كأظفار الْهِرَّة
{لاَّ يُسْمِنُ} من أكله {وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ} من أكله
{وُجُوهٌ} وُجُوه الْمُؤمنِينَ المخلصين {يَوْمَئِذٍ} يَوْم الْقِيَامَة {نَّاعِمَةٌ} حَسَنَة جميلَة
{لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ} يَقُول لثواب عَملهَا راضية
{فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} فِي دَرَجَة مُرْتَفعَة
{لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا} فِي الْجنَّة {لاَغِيَةً} حلفا بَاطِلا وَلَا غير بَاطِل
{فِيهَا} فِي الْجنَّة {عَيْنٌ جَارِيَةٌ} تجْرِي عَلَيْهِم بِالْخَيرِ وَالْبركَة وَالرَّحْمَة
{فِيهَا} فِي الْجنَّة {سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ} فِي الْهَوَاء مالم يَجِيء إِلَيْهَا أَهلهَا وَيُقَال مُرْتَفعَة لأَهْلهَا
{وَأَكْوَابٌ} كيزان بِلَا آذان وَلَا عرا وَلَا خراطيم مُدَوَّرَة الرؤوس {مَّوْضُوعَةٌ} فِي مَنَازِلهمْ
{وَنَمَارِقُ} وسائد {مَصْفُوفَةٌ} قد صف بَعْضهَا إِلَى بعض وَيُقَال قد نضد بَعْضهَا إِلَى بعض
{وَزَرَابِيُّ} وَهِي شبه الطنافس {مَبْثُوثَةٌ} مبسوطة لأَهْلهَا فَلَمَّا أخْبرهُم النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بذلك قَالَ كفار مَكَّة ائتنا بِآيَة بِأَن الله أرسلك إِلَيْنَا رَسُولا فَقَالَ الله تَعَالَى
{أَفَلاَ يَنظُرُونَ} كفار مَكَّة {إِلَى الْإِبِل كَيْفَ خُلِقَتْ} بقوتها وشدتها تقوم بحملها وَلَا يقوم غَيرهَا
{وَإِلَى السمآء كَيْفَ رُفِعَتْ} فَوق الْخلق لَا ينالها شَيْء
{وَإِلَى الْجبَال كَيْفَ نُصِبَتْ} على الأَرْض لَا يحركها شىء
{وَإِلَى الأَرْض كَيْفَ سُطِحَتْ} بسطت على المَاء كل هَذَا آيَة لَهُم
{فَذَكِّرْ} عظ {إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ} مخوف بِالْقُرْآنِ وَيُقَال واعظ متعظ بِالْقُرْآنِ وَبِاللَّهِ
{لَّسْتَ عَلَيْهِم} يَا مُحَمَّد {بِمُصَيْطِرٍ} بمسلط أَن تجبرهم على الْإِيمَان
ثمَّ أمره بعد ذَلِك بِالْقِتَالِ فَقَالَ {إِلاَّ مَن تولى وَكَفَرَ} وَيُقَال إِلَّا من تولى بِنصب الْألف عَن الْإِيمَان وَكفر بِاللَّه
{فَيُعَذِّبُهُ الله} فِي الْآخِرَة {الْعَذَاب الْأَكْبَر} يَعْنِي عَذَاب النَّار
{إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ} مرجعهم فِي الْآخِرَة
{ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} ثباتهم فِي الدُّنْيَا وثوابهم وعقابهم فى الْآخِرَة

الصفحة 509