ومن تحرّيه أنه أرسل بعض التجار ليشتري لَهُ خادماً بثلاثين ديناراً من اليمن، فأخذها واشترى بِهَا خادماً وأحضره فأقام فِي جهته مدة. وَكَانَ بَيْنَ القاضي والتاجر حساب، فحاسبه بِهِ مدة، ونسي القاضي أن يذكر المبلغ الَّذِي دفعه فِي ثمن الخادم، واستحيا التاجر أن يُذكِّره بِهِ. فلما انتهى الحساب، أخرج القاضي صرة فِيهَا مائة وعشرة دنانير، فدفعها للتاجر وقال: هَذِهِ ثمن الخادم الَّذِي أحضرته لي، فإنه مَا وافقني فبعته لَكَ وهذا ثمنه، فعدّ هَذَا فِي عظيم أمانته.
وكان للقاضي تاج الدين أربع نواب من المذاهب الأربعة، واستنابهم بإذن السلطان لَهُ فِي ذَلِكَ توسعة عَلَى الناس فِي أحكامهم. فاتفق لَهُ مع الجمال أَيْدُغْدِي منازعة، فحسّن للسلطان أن يكون النواب الثلاثة الذين من غير مذهب القاضي نواباً عن السلطان، مع بقاء القاضي الكبير ونائبه، ويكون ذَلِكَ أعظم فِي حق السلطان. ففعل ذَلِكَ، وجعل لكل واحد منهم مجلساً فِي يوم معين بمصر، وشاركوا القاضي فِي استنابة النواب فِي البلاد، لكن اختص بديوان الأحباس، والنظر فِي الأموال عَلَى اختلاف جهاتها، وإثبات الوقفيان والورثة.
وكان القضاة مع ذَلِكَ يترددون إِلَيْهِ ويعظمونه، ولا يتكلمن فِي مجلس السلطان أحد غيره. ويذكر أن القاضي صدر الدين الحنفي، أول من أفرد بالحكم مستقلاً فِي هَذِهِ
الكائنة لما مات القاضي. قال: والله لقد عدمناه ونقصت حرمتنا بكوته. وَكَانَتْ رياستنا قائمة بوجوده.
ويحكى أنه قال يوماً: مَا رأيت أعجب من القاضي المالكي، إِذَا وقعت لَهُ قضية يحضر عندي ويقول: وقعت واقعة كذا، والحكم فِيهَا فِي مذهبي كذا، فلا أجيبه بكلمة. فيخرج من عندي ويحكم فِيهَا. فإِذا عوتب بعد ذَلِكَ قال: مَا حكمت حَتَّى عرضت ذَلِكَ عَلَى القاضي تاج الدين.
ولم يزل القاضي بعد تجديد الثلاثة القضاة معه، يتعب نفسه فيما يسد بِهِ الخلل، إِلَى أن أتاه مَا قدر لَهُ من الأجل. ومات فِي ليلة الثامن والعشرين من شهر رجب سنة خمس وستين وستمائة. وَكَانَتْ جنازته حافلة جداً.
ورثاه جماعة؛ منهم الشيخ أبو عبد الله ابن النعمان بقوله:
نعى الناس تاجَ الدين قاضي قضاتنا ... وَمَا النعي فِي التحقيق إِلاَّ عَلَى الشرعِ
لقد عز حكم الشرع فِي وقت حكمه ... لأن التقي كَانَ الأمين عَلَى الطبع