كتاب رفع الإصر عن قضاة مصر

ومع هَذِهِ الأوصاف الجيدة فما سَلِمَ من قول عائب ولَوْم غائب. أنشدنا أبو حيان ابن أبي حيان إجازة عن جّده، أنشدنا شرف الدين محمد البوصيري الأديب فِي الصاحب تاج الدين لما جعلت القضاة أربعة وَكَانَ بمصر راهب يقال لَهُ الحبيش كثير البذل للفقراء، وَكَانَ القاضي تاج الدين بضد ذَلِكَ فعمل فِيهِ البوصيري:
انظر إِلَى هَذِهِ الدنيا تجِد عَجَباً ... لله فِي كل مرئي ومسموع
تاهَ النصارى علينا بالحُبيش وَقَدْ ... أباحهم منه خيراً غير ممنوع
فالجودُ أسعد بالتثليث صاحبهم ... والبخلُ أنحس قاضينا بتربيع
وأنشد فِيهِ يمدحه ويغبطه بذلك، ويصوب رأي من فعله:
لقد سَرَّنا أن القضاة ثلاثة ... لأنك تاج الدين للقوم رابعُ
بهم بنية الإِسلام صحت وكيف لا ... تصح وهم أركانها والطبائع
فكم رُخَصٍ أبدوا لَنَا وعزائمٍ ... هُدينا بِهَا فهي النجوم الطوالع
فلا تيأسن إذ وسع الله فِي الهدى ... مذاهبنا بالعلم، والله واسع
تفرقت الآراء والدين واحد ... وكل إِلَى رأي من الحق راجع
فهذا اختلاف جَرَّ للناس راحةً ... كما اختلفت فِي الراحتين الأصابع
عبد الوهاب بن محمد بن أحمد بن أبي بكر الطرابلسي، أمين الدين أبو اليمن. ولد فِي يوم الثلاثاء ثامن عشرين شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة وحفظ القرآن، واشتغل فِي الفقه وتعلم الخط وجَوَّده. ونشأ فِي صيانة ونزاهة إِلَى أن ولي قضاء العسكر. وولي الحكم عقب موت جمال الدين المَلَطِيّ فِي يوم الخميس ثالث عشر شهر رجب سنة ثلاث وثمانمائة، فباشر مباشرة حسنة.
وكان شكلاً حسناً بهيَّ المنظر، كثير السؤدد، وقوراً مهاباً، كثير الصيانة، وَكَانَ لذلك ينسب إِلَى زهو.
وكان قد اشتغل كثيراً، وسمع الحديث معنا من بعض شيوخنا. وَكَانَتْ ولايته الأولى سنتين وثلاثة عشر يوماً. فإنه صُرِف فِي سادس عشرين رجب سنة خمس

الصفحة 263