وأما ذم مالك، فقد بيّن سببه، وأنه لأجل ما رمي به من القول ببدعة الخوارج، وقد جزم بذلك أبو حاتم، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن عكرمة، فقال: ثقة، قلت: يحتج بحديثه، قال: نعم، إذا روى عنه الثقات، والذي أنكر عليه مالك إنما هو بسبب رأيه (¬1).
وأما ما روي عن يزيد بن أبي زياد قال: دخلت على علي بن عبد الله بن عباس، وعكرمة مقيد عنده، فقلت: ما لهذا. قال: إنه يكذب على أبي (¬2).
فقد رد هذه الرواية ابن حجر بقوله: إن رواية يزيد بن أبي زياد ردها أبو حاتم، وابن حبان لضعف يزيد، وقال: إن يزيد لا يحتج بنقله، قال ابن حجر: وهو كما قال (¬3).
هذا أهم ما جاء من الروايات في اتهامه بالكذب وردها، والذي يظهر مما سبق أن اتهامه بالكذب على مصطلح المحدثين لم يثبت، والصواب في ذلك أن عكرمة قد وثقه، وأثنى عليه كثير من الأئمة المعتبرين، بل إن شيخه ابن عباس نفسه قد أثنى عليه.
فعن محمد بن فضل عن عثمان بن حكيم قال: كنت جالسا مع أبي أمامة بن سهل ابن حنيف، إذ جاء عكرمة، فقال: يا أبا أمامة: أذكرك الله، هل سمعت ابن عباس يقول: ما حدثكم عني عكرمة فصدقوه، فإنه لم يكذب علي؟ فقال أبو أمامة: نعم (¬4).
وعن أيوب السختياني قال: اجتمع حفاظ ابن عباس على عكرمة، منهم سعيد بن جبير، وعطاء، وطاوس، فكان كلما يحدث بحديث قال سعيد بن جبير هكذا (يعني
¬__________
(¬1) الجرح (7/ 9)، وتهذيب الأسماء (1/ 341)، وأشار إليه ابن عبد البر في التمهيد (2/ 27).
(¬2) الميزان (3/ 94)، ووفيات الأعيان (3/ 265)، والسير (5/ 23).
(¬3) الثقات (5/ 230)، وهدي الساري (427).
(¬4) تاريخ دمشق (11/ 768)، وتاريخ ابن معين (2/ 413)، وقال ابن حجر في الهدي: وإسناده صحيح (428)، والتمهيد (2/ 31).