أولهما: تقدمه في علوم اللغة العربية، يتضح هذا من خلال ما يلي:
أفصاحته:
كان لنشأته في البادية (¬1)، حيث الفصاحة، واللسان العربي المبين البعيد عن لوثة المدن، وما يخالطها من عجمة الرقيق، ثم نشأته منذ نعومة أظفاره في بيت من بيوتات النبوة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام في بيت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها (¬2)، ثم تتلمذه المبكر علي يد جلة من أكابر الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، كان لذلك الأثر الأكبر على منطقه وحسن عبارته، مما يجعل القارئ لتفسيره (¬3)، يلحظ ذلك التفوق، والتميز، وتلكم الفصاحة التي فاق بها الحسن أقرانه من التابعين، ومن بعدهم.
إن السبك القوي في نظم الكلام، والقدرة الفائقة في اختيار أعذب الألفاظ، وأخصرها، وأبلغها وقعا في نفوس السامعين، وأشدها تأثيرا في أحاسيسهم، كان من الأسباب الرئيسة في قبول، وانتشار أقواله وتفاسيره، وحرص الناس على روايتها، وحفظها.
لقد عني رحمه الله بمنطقة فانتقى ألفاظه، واختار كلماته حتى قال الأعمش عنه:
ما زال الحسن يعتني بالحكمة حتى نطق بها، وسمعه آخر وهو يعظ فقال: لله دره إنه لفصيح إذا لفظ، نصيح إذا وعظ (¬4).
¬__________
(¬1) الطبقات لابن سعد (7/ 157)، والسير (4/ 564).
(¬2) قال ابن سعد: يذكرون أن أمه (وهي مولاة لأم سلمة) كانت ربما غابت فيبكي الصبي، فتعطيه أم سلمة ثديها تعلله به، إلى أن تجيء أمه، فدرّ عليه ثديها فشربه، فيرون أن تلك الحكمة، والفصاحة من بركة ذلك، ينظر طبقات ابن سعد (7/ 157)، والمنتظم (7/ 136)، وتاريخ الإسلام (ح 110هـ / 51).
(¬3) ولجميع كلماته من مواعظ وأحكام وخطب وآداب.
(¬4) الحسن البصري لابن الجوزي (14).