كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 1)

والحسن معلم وداع إلى الله، وفقيه جالس العوام وأثر فيهم، واشتهر بمليح وعظه وقصه، فقد يثقل عليه في كثير من الأحيان إيراد الإسناد، فكان بعض إرساله من هذا.
حدث مرة بحديث فقال له رجل: يا أبا سعيد، عمن؟، قال: وما يصنع بعمن؟ أما أنت فقد نالتك موعظته وقامت عليك حجته (¬1).
وعن علي بن زيد، قال: حدثت الحسن بحديث، وهو عندي متوار في منزلي، فاستعاده ست مرات، فلما أن ظهر جعل يحدث بذاك الحديث، فقلت: يا أبا سعيد:
من حدثك بهذا؟ قال: دعنا منك، فلما أكثرت عليه قال: أنت حدثتنيه (¬2).
ولعل من الأسباب التي جعلت الحسن يرسل في بعض الأحيان، الجانب السياسي، فسكوت الحسن عن الرواية عن بعض الصحابة في ذلك الوقت كعلي بن أبي طالب رضي الله عنه مثلا قطعا للفتنة، فكان يفضل الإرسال بزمن الأمويين، والحجاج سيفهم على البصرة (¬3).
فعن يونس بن عبيد أنه قال: سألت الحسن، قلت: يا أبا سعيد: إنك تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنك لم تدركه؟ فقال: يا ابن أخي، لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، ولولا منزلتك مني ما أخبرتك إني في زمان كما ترى وكان في زمن الحجاج كل شيء سمعتني أقواله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه غير أني في زمان لا أستطيع أن أذكر فيه عليا (¬4).
¬__________
(¬1) عيون الأخبار (2/ 137).
(¬2) المعرفة والتاريخ (2/ 36).
وهذا يدل على ضبط الحسن، وإتقانه رحمه الله لكنه أضرب عن إيراد الإسناد لضرورة ما يصبو إليه من وعظ الناس، وإرشادهم، وفيهم عوام لا قيمة للإسناد عندهم، غاية قصدهم ما دل عليه النص من حكم، ومواعظ، والله أعلم.
(¬3) الحسن البصري وحديثه المرسل (349).
(¬4) تدريب الراوي (1/ 204)، ولمعرفة المزيد من الأسباب، يراجع كتاب الحسن البصري وحديثه المرسل (351346).

الصفحة 224