أبعده عن مخالفة الظاهر، وقلة الاجتهاد، والرأي في تفسيره (¬1):
كان لهذه الحافظة أثر واضح في إبعاد كثير من تأويلات هذا التابعي عن التفسير المخالف لظاهر النص القرآني، وقد استغنى رحمه الله بمحفوظه، ومسموعه، عن القول برأيه، واجتهاده في كثير من المسائل، فعن أبي هلال قال: سألت قتادة عن مسألة فقال: لا أدري، فقلت: قل برأيك، قال: ما قلت برأيي منذ أربعين سنة، فقلت: ابن كم هو يومئذ؟ قال: ابن خمسين سنة (¬2).
وعن همام بن يحيى قال: سمعت قتادة يقول: ما أفتيت بشيء من رأيي منذ عشرين سنة (¬3).
ولذا فمن أقوى الأسباب فيما أحسب التي قللت الرأي عنده تلك الحافظة القوية، يضاف إلى ذلك ما اشتهر به من الحرص على السماع، ولا سيما فيما يتعلق بالقرآن، فعن معمر قال: سمعت قتادة يقول: ما في القرآن آية إلا قد سمعت فيها بشيء (¬4).
ومن كانت هذه حاله من قوة الحافظة، وكثرة المحفوظ، فإنه يصعب عليه أن يتحرر مما حفظ، بل نجد أثر ذلك واضحا في تفسيره، فقتادة قلّ ما يخرج عن الأثر، فتفسيره يغلب عليه المسلك النقلي الأثري، وهذا يفسر لنا قلة تعرضه واعتماده على الاجتهاد، وقلة
¬__________
(¬1) وهذا من المفارقات الرئيسة بينه، وبين شيخه الحسن، الذي كان أسهل منه في هذا بكثير.
(¬2) طبقات ابن سعد (7/ 229)، وسنن الدارمي (1/ 47)، والمعرفة (2/ 280)، والعلل لأحمد (2/ 233) 5021، والسير (5/ 273).
(¬3) الجرح (7/ 134)، والتذكرة (1/ 123)، وتاريخ الإسلام (ح 101هـ / 454)، وطبقات المفسرين (2/ 44).
(¬4) سنن الترمذي كتاب تفسير القرآن، باب ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه (5/ 200)، والجرح (7/ 134)، وتاريخ الإسلام (ح 101هـ / 454)، وأوردها صاحب تاريخ الخميس (2/ 319) بلفظ: ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئا من النكت.