بأمثال القرآن شرحا، وبيانا، واستنباطا للفائدة والعبرة، بل فاق غيره حتى في عدد الأمثال التي عرض لها بالشرح والتفصيل، وبذلك تميز عن غيره في هذا كما، ونوعا، ونسوق بعض الأمثلة الدالة على ذلك:
فعند قوله سبحانه: {فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ} (¬1)، قال: أجبن قوم لا يسمعون شيئا إلا إذا ظنوا أنهم هالكون فيه حذرا من الموت، والله محيط بالكافرين، ثم ضرب لهم مثلا آخر: فقال: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ}، يقول: هذا المنافق، إذا كثر ماله، وكثرت ماشيته، وأصابته عافية قال: لم يصبني منذ دخلت في ديني هذا إلا خير. {وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا}، يقول: إذا ذهبت أموالهم، وهلكت مواشيهم، وأصابهم البلاء، قاموا متحيرين (¬2).
ومنها ما ورد عند قوله عز وجل: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} (¬3)، قال:
أصابها ريح فيها سموم شديد {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} *، فهذا مثل، فاعقلوا عن الله جل وعز أمثاله فإنه قال: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} (¬4) هذا رجل كبرت سنه، ورق عظمه، وكثر عياله، ثم احترقت جنته على بقية ذلك، كأحوج ما يكون إليه، يقول: أيحب أحدكم أن يضلّ عنه عمله يوم القيامة كأحوج ما يكون إليه (¬5)؟.
¬__________
(¬1) سورة البقرة: آية (19).
(¬2) تفسير الطبري (1/ 350) 459.
(¬3) سورة البقرة: آية (266).
(¬4) سورة العنكبوت: آية (43).
(¬5) تفسير الطبري (5/ 547) 6099.