كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 1)

ومنها أيضا ما ورد عند قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} (¬1).
قال: وليس ببالغه حتى يتمزع عنقه، ويهلك عطشا، قال الله تعالى: {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} *. هذا مثل ضربه الله، أي: هذا الذي يدعو من دون الله هذا الوثن، وهذا الحجر، لا يستجيب له بشيء أبدا ولا يسوق إليه خيرا، ولا يدفع عنه سوءا حتى يأتيه الموت، كمثل هذا الذي بسط ذراعيه إلى الماء ليبلغ فاه، ولا يبلغ فاه، ولا يصل إليه ذلك حتى يموت عطشا (¬2).

8 - عنايته بعلم المناسبات:
وكان لهذا النهج الدعوي عنده أثره في اهتمامه ببيان تناسب الآيات، وأسرار ختمها، والربط في تفسيره بين أول الآية وآخرها، عند إيضاحه لمعناها، من ذلك ما ورد عنه عند قوله جل وعلا: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} (¬3).
قال: ثم عذر الحجارة ولم يعذر شقيّ ابن آدم فقال: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} (¬4).
¬__________
(¬1) سورة الرعد: آية (14).
(¬2) تفسير الطبري (16/ 401) 20293، وأورده السيوطي في الدر، وعزاه إلى ابن جرير، وأبي الشيخ، عن قتادة بلفظه (4/ 628).
والمراجع لتفسيره يجد أنه قلّ أن يوجد مثل من أمثلة القرآن، إلا وله وقفة وشرح له، وهو من أكثر التابعين في هذا.
(¬3) سورة البقرة: آية (74).
(¬4) تفسير الطبري (2/ 241) 1319، وتفسير ابن عطية (1/ 265)، وتفسير القرطبي (1/ 315)، وأورده السيوطي في الدر، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة، بزيادة في أوله (1/ 197).

الصفحة 272