كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 1)

فقام وأنزل اليهودي فقال: يا عيسى أنت أعظم الناس عليّ منة، والله لا أفارقك أبدا. قال عيسى فيما حدثنا به محمد بن الحسين بن موسى قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي لليهودي: أنشدك بالذي أحيا الشاة والعجل
بعد ما أكلناهما، وأحيا هذا بعد ما مات، وأنزلك من الجذع بعد ما رفعت عليه لتصلب، كم كان معك رغيفا؟ قال فحلف بهذا كله ما كان معه إلا رغيف واحد، قال: لا بأس! فانطلقا، حتى مرا على كنز قد حفرته السباع، والدواب، فقال اليهودي: يا عيسى، لمن هذا المال؟ قال عيسى: دعه، فإن له أهلا يهلكون عليه. فجعلت نفس اليهودي تطلع إلى المال، ويكره أن يعصي عيسى، فانطلق مع عيسى.
ومر بالمال أربعة نفر، فلما رأوه اجتمعوا عليه، فقال: اثنان لصاحبيهما: انطلقا فابتاعا لنا طعاما، وشرابا، ودواب نحمل عليها هذا المال. فانطلق الرجلان، فابتاعا دواب وطعاما وشرابا، وقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن نجعل لصاحبينا في طعامهما سما، فإذا أكلا ماتا، فكان المال بيني، وبينك؟ فقال الآخر: نعم! ففعلا، وقال الآخران: إذا ما أتيانا بالطعام، فليقم كل واحد إلى صاحبه فيقتله، فيكون الطعام والدواب بيني، وبينك.
فلما جاءا بطعامهما قاما فقتلاهما، ثم قعدا على الطعام فأكلا منه، فماتا. وأعلم ذلك عيسى، فقال لليهودي: أخرجه حتى نقتسمه، فأخرجه فقسمه عيسى بين ثلاثة، فقال اليهودي: يا عيسى، اتق الله ولا تظلمني، فإنما هو أنا، وأنت!! وما هذه الثلاثة؟
قال له عيسى: هذا لي، وهذا لك، وهذا الثلث لصاحب الرغيف. قال اليهودي: فإن أخبرتك بصاحب الرغيف، تعطيني هذا المال؟ فقال: عيسى: نعم. قال: أنا هو. قال عيسى: خذ حظي وحظك، وحظ صاحب الرغيف، فهو حظك من الدنيا، والآخرة.
فلما حمله مشى به شيئا، فخسف به. وانطلق عيسى بن مريم، فمر بالحواريين، وهم يصطادون السمك، فقال: ما تصنعون؟ فقالوا: نصطاد السمك. فقال: أفلا تمشون حتى نصطاد الناس؟ قالوا: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى بن مريم. فآمنوا به، وانطلقوا معه. فذلك قول الله عز وجل: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (¬1).
¬__________
(¬1) سورة آل عمران: آية (52). ينظر تفسير الطبري (6/ 444) 7122.

الصفحة 309