فأوحى الله إليه بعد أربعين يوما: يا داود، ارفع رأسك فقد غفرت لك، فقال: يا رب
كيف أعلم أنك قد غفرت لي، وأنت حكم عدل لا تحيف في القضاء، إذا جاءك أهريا يوم القيامة آخذا رأسه بيمينه، أو بشماله، تشخب أوداجه دما قبل عرشك يقول:
يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ قال: فأوحى إليه: إذا كان ذلك دعوت أهريا فأستوهبك منه، فيهبك لي، فأثيبه بذلك الجنة، قال: رب الآن علمت أنك قد غفرت لي، قال: فما استطاع أن يملأ عينيه من السماء حياء من ربه، حتى قبض صلى الله عليه وسلّم (¬1).
والسدي قد سلك طريقة مغايرة لطريقة غيره من مشاهير مفسري التابعين، فكان كثيرا ما يورد الآيات القرآنية في ثنايا حديثه وروايته، وكأنه بذلك يرد على المنكرين لصنيعه في إكثاره، وكأنه يشعر بشيء من عدم الرضى من معاصريه، فكان يذكر الآيات القرآنية في تضاعيف تلك الروايات لدعم موقفه، والرد على مخالفيه، والاحتجاج بتلك الإطالة والتفصيل، ومن أمثلة ذلك ما جاء عنه عند تأويل قوله جل ثناؤه: {وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى َ} (¬2).
قال السدي: لما تاب الله على قوم موسى، وأحيا السبعين الذين اختارهم موسى بعد ما أماتهم، أمرهم الله بالسير إلى أريحا، فساروا، حتى إذا كانوا قريبا منهم، بعث موسى اثني عشر نقيبا، فكان من أمرهم، وأمر الجبارين، وأمر قوم موسى، ما قد قص الله في كتابه، فقال قوم موسى لموسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} (¬3)
، فغضب موسى، فدعا عليهم فقال: {رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} (¬4)، فكانت عجلة من موسى عجلها، فقال الله تعالى: {فَإِنَّهَا}
¬__________
(¬1) تفسير الطبري (23/ 147).
ولمزيد من الأمثلة تراجع الآثار التالية في تفسير الطبري (1686، 15525، 19013، (23/ 158)، وغيرها.
(¬2) سورة البقرة: آية (57).
(¬3) سورة المائدة: آية (24).
(¬4) سورة المائدة: آية (25).