ولما قيل له: أما تستحي من كثرة ما تسأل، فتقول: لا أدري. قال: أكثر ملائكة الله المقربين لم يستحيوا حيث سئلوا عما لا يعلمون أن قالوا: لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم (¬1).
وكان إذا سئل عن مسألة شديدة قال: زباذات (¬2)، وبر، لا تنقاد، ولا تنساق، لو سئل عنها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم لعضلت بهم (¬3).
وأحسب أن المروي عنه سيكون كثيرا لولا غلبة هذا الجانب على نفسه، ومنهجه، مما جعله يؤثر جانب الإقلال في الرواية بعامة، وفي التفسير بخاصة، مع أنه من المقدمين بين التابعين في معرفة غريب اللغة وشعرها، ومن أفصحهم لسانا، وأكثرهم حفظا بل إنه ما من آية إلا وسمع فيها شيئا من التفسير، ومع هذا فقد أحجم، وتحرج عن نقل مسموعه وروايته، فضلا عن الدراية والاجتهاد.
يقول عن نفسه: والله ما من آية إلا قد سألت عنها، ولكنها الرواية عن الله (¬4).
وكان من شدة ورعه، أنه كان كثيرا ما يقول: يا ليتني أنفلت من علمي كفافا لا عليّ ولا لي (¬5).
2 - كراهيته للرأي والقياس، وإقلاله في باب النظر والاجتهاد:
إضافة إلى ما ذكر سابقا من إقلاله في الرواية، وشدة ورعه فيها فإنه كان أكثر
¬__________
(¬1) أخبار القضاة (2/ 423)، والمزهر (2/ 315)، وتذكرة النحاة لأبي حيان الغرناطي (699)، وتاريخ دمشق (8/ 699).
(¬2) زباذات: قال ابن شبرمة: مسألة شاقة وصعبة.
(¬3) الحلية (4/ 319)، والمعرفة (2/ 593)، تاريخ دمشق (8/ 700).
(¬4) تفسير الطبري (1/ 87) 102، ومجموع الفتاوى (13/ 374)، والمعرفة (2/ 603)، وتاريخ دمشق (8/ 698)، وتفسير ابن كثير (1/ 17).
(¬5) المعرفة (2/ 592، 602)، وتاريخ أبي زرعة (1/ 660)، والمنتظم (7/ 93)، وتهذيب وتاريخ دمشق (7/ 143).