تحرجا في جانب الدراية، وكان شديد الكراهية للرأي، والقياس.
الظاهر أن الشعبي قد استغنى بمحفوظه، وما عنده من الآثار والسنن عن كثرة النظر، والاستنباط، والاجتهاد، ومما ساعده على ذلك إدراكه لخمسمائة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم، وروايته عن خمسين ومائة منهم، وسماعه من ثمانية وأربعين صحابيا.
هذا مع ما كان عنده من قدرة فائقة، وحافظة نادرة، فعن ابن شبرمة قال: سمعت الشعبي يقول: ما كتبت سوداء في بيضاء، ولا استعدت حديثا من إنسان (¬1).
وعن عبد الملك بن عمير قال: مرّ ابن عمر على الشعبي وهو يحدث بالمغازي، فقال: لقد شهدت القوم فلهو أحفظ لها، وأعلم بها (¬2).
ومع أنه عاش في مدرسة الكوفة، وكان الغالب على منهجها التساهل في الرأي والقياس، إلا أنه كان من أشد العراقيين كراهية لذلك (¬3).
فعن مالك بن مغول، قال: قال لي الشعبي: ما حدثوك عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم فخذ به، وما حدثوك برأيهم فألقه في الحش (¬4).
وعن محمد بن جحادة أن عامرا الشعبي سئل عن شيء فلم يكن عنده فيه شيء، فقيل له: قل برأيك قال: وما تصنع برأيي؟ بل على رأيي (¬5).
ولما جاءه رجل، فسأله عن شيء فقال: كان ابن مسعود، يقول كذا أو كذا، قال:
¬__________
(¬1) سنن الدارمي (1/ 125)، والعلم لأبي خيثمة (116)، وتاريخ بغداد (12/ 229)، وكتاب الحث على الحفظ وذكر كبار الحفاظ (96)، وطبقات علماء الحديث (1/ 155).
(¬2) تهذيب الكمال (14/ 34)، والتعديل والتجريح (3/ 993)، ووفيات الأعيان (3/ 12)، والتذكرة (1/ 82)، وطبقات الحفاظ (33).
(¬3) تأويل مختلف الحديث (74).
(¬4) العلل لأحمد (1/ 283) 454، وسنن الدارمي (1/ 67)، وتأويل مختلف الحديث (75)، والمعرفة والتاريخ (2/ 592)، وجامع بيان العلم وفضله (1/ 40).
(¬5) طبقات ابن سعد (6/ 250)، وشرف أصحاب الحديث (74)، وتاريخ دمشق (8/ 701).