الصبر، لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين، يجترّون الدنيا بالدين، قال الله تبارك وتعالى: أعلي يجترئون وبي يغترّون!! وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران!!»، فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله جل ثناؤه. فقال سعيد:
وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله عز وجل: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى َ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعى َ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} (¬1).
فقال سعيد: قد عرفت فيمن أنزلت هذه الآية! فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل، ثم تكون عامة بعد (¬2).
ومما يدل على اهتمامه بالسير، وأسباب النزول أيضا، أن محمد بن إسحاق نقل كثيرا من القصص والحوادث عن طريق محمد بن كعب، وفي هذا يقول سزكين:
ويتضح من الروايات التي ذكرها الطبري في تاريخه أن ابن إسحاق استخدم كتابا للقرظي ذا مضمون تاريخي (¬3).
وأحسب أن مما ساعده على التقدم في باب التفسير سماعه، ولقاءه بابن عباس، كما أنه في المقابل لم يلق أحدا من فقهاء المدينة الذين كانوا يتورعون عن التفسير، هذا وغيره جعل لهذا التابعي الصدارة في مدرسة التفسير بالمدينة.
وأحسب أنه لو عاش في غير هذه المدرسة لكان نتاجه أكثر، لكنه عاش في المجتمع المدني، الذي تأثر بشيوخه المقلين في باب التأويل، والمشتغلين بعلوم أخرى:
¬__________
(¬1) سورة البقرة: آية (204).
(¬2) تفسير الطبري (4/ 231) 3964، وسنن سعيد بن منصور (3/ 381) 361، وأورده السيوطي في الدر، وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن جرير، والبيهقي في الشعب، عن محمد به (1/ 572).
(¬3) تاريخ التراث (1/ 76).