كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 1)

* * *

المبحث الأول
المدرسة المكية
احتلت هذه المدرسة المكانة في قلوب المؤمنين، الساكنين، والثائبين إلى بلد الله الحرام، الحجاج، والعمار، والزوار، بل أخذت مكة بألباب كل مؤمن رآها، أو تمنى أن يراها.
ولقد كان العلم بمكة يسيرا زمن الصحابة، ثم كثر في أواخر عصرهم وكذلك في أيام التابعين، وزمن أصحابهم، كابن أبي نجيح، وابن جريج (¬1).
إلا أن مكة اختصت زمن التابعين بحبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما الذي صرف جل همه، وغاية وسعه إلى علم التفسير، وربى أصحابه على ذلك، فنبغ منهم أئمة كان لهم قصب السبق بين تلاميذ المدارس في علم التفسير.
وقد تأثر بالمدرسة أيضا رجال وأئمة لم يكونوا بمكة، لكن كانوا كثيري الترداد والمثابة لها: كأبي العالية، وطاوس بن كيسان، وغيرهم، فنشاط المدرسة المكية كان أوسع من أن يقتصر على بقعة واحدة.
وبعد أن رحل ابن عباس عن مكة، لم يختف نوره فيها، وإنما قلّ نتاج تلاميذه، وزادت هيبتهم من التفسير ورحل بعضهم للآفاق، حتى جاء عصر أتباع التابعين، فدفعوا العجلة، وأكثروا من الرواية عن شيوخهم وظل العطاء يتواصل حتى الطبقة التي تليهم، وفيما يلي بيان لأهم الأسباب التي أدت إلى تفوق المدرسة، أهم هذه الأسباب والأساس فيها إمامة ابن عباس رضي الله عنهما وأستاذيته لها، ولذا فسوف أعرض لترجمته بشيء من التفصيل، ثم أبين بعض معالم منهجه التي كان لها الأثر في نفوس أصحابه وتلاميذه، فأقول وبالله التوفيق:
¬__________
(¬1) الإعلان والتوبيخ لمن ذم التاريخ (292).

الصفحة 371