كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 1)

رضي الله عن الجميع فقد لمس عمر رضي الله عنه فيه مخايل النجابة، والذكاء، والفطنة، فكان يدنيه من مجلسه، ويقربه إليه، ويشاوره، ويأخذ برأيه فيما أشكل من الآيات، وابن عباس ما زال شابا غلاما، فكان لذلك الأثر البالغ في دفعه وحثه على التحصيل والتقدم، بل والإكثار في باب التفسير وغيره من أبواب العلم.
فعن عامر الشعبي عن ابن عباس قال: قال لي أبي: يا بني، أرى أمير المؤمنين يقربك، ويخلو بك، ويستشيرك مع ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم فاحفظ عني ثلاثا: اتق الله لا تفشين له سرا، ولا يجربن عليك كذبة، ولا تغتابن عنده أحدا (¬1).
وكان عمر رضي الله عنه يدخله مع أكابر الصحابة، وما ذلك إلا لأنه وجد فيه قوة الفهم، وجودة الفكر، ودقة الاستنباط.
قال: كان عمر يسألني مع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم، فكان يقول لي: لا تكلم حتى يتكلموا، فإذا تكلمت قال: غلبتموني أن تأتوا بما جاء به هذا الغلام الذي لم تجتمع شئون رأسه (¬2)؟.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فقال بعضهم (¬3): لم يدخل هذا الفتى معنا، ولنا أبناء مثله؟ فقال: إنه من قد علمتم، فدعاهم ذات يوم، ودعاني معهم، قال: وما أريته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني (¬4)،
¬__________
(¬1) الحلية (1/ 318)، والمعرفة (1/ 533)، والمعجم الكبير (10/ 322) 10619، والمنتقى من كتاب مكارم الأخلاق (148) 325.
(¬2) فضائل الصحابة لأحمد (2/ 970) 1904، المعرفة (1/ 519)، والمستدرك (3/ 539)، وصحح إسناده الحاكم، ووافقه الذهبي، وكتاب الفقيه والمتفقه (2/ 133).
(لم تجتمع شئون رأسه): قال الحربي: الشئون واحد شأن مجتمع قبائل الرأس، فكأن عمر قال إنه صغير لم يتلاقيا، غريب الحديث (2/ 876)، وتهذيب اللغة (11/ 416).
(¬3) القائل هو: عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه كما صرح به البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب مرض النبي صلى الله عليه وسلّم ووفاته، ينظر الفتح (8/ 130) 4430.
(¬4) قال ابن حجر: وعند ابن سعد (أما إني سأريكم اليوم منه ما تعرفون به فضله) الفتح (8/ 736).

الصفحة 376