فعنه رضي الله عنهما قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلّم، قلت لرجل من الأنصار:
هلمّ فلنسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فإنهم اليوم كثير. قال: فقال: واعجبا لك يا ابن عباس! أترى الناس يفتقرون إليك، وفي الناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم من فيهم؟
قال: فتركت ذلك، وأقبلت أسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم عن الحديث، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل، فآتي بابه وهو قائل فأتوسّد ردائي على بابه تسفي الريح عليّ التراب، فيخرج، فيراني، فيقول لي: يا ابن عم رسول الله، ما جاء بك؟ ألا أرسلت إليّ فآتيك؟ فأقول: لا، أنا أحق أن آتيك! فأسأله عن الحديث فعاش ذلك الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي ليسألوني، فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني (¬1).
ويقول رضي الله عنهما عن نفسه: كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم من المهاجرين والأنصار، فأسألهم عن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وما نزل من القرآن في ذلك، وكنت لا آتي أحدا إلا سرّ بإتياني لقربي من رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فجعلت أسأل أبيّ ابن كعب في العلم عما نزل من القرآن بالمدينة، فقال: نزل بها سبع وعشرون سورة وسائرها بمكة (¬2).
بل كان رحمه الله من حرصه على السماع كما يقول معمر أنه يقول لأخ له من الأنصار: اذهب بنا إلى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلّم فلعله أن يحتاج إلينا، فقال: وكان ابن عباس إذا صلى أجلس غلمانه خلفه، فإذا مرّ بآية لم يسمع فيها شيئا رددها فكتبوها، فإذا خرج سأل عنها (¬3).
¬__________
(¬1) المرجع السابق (2/ 367)، وسنن الدارمي (1/ 141)، والمعجم الكبير للطبراني (10/ 299) 10592، والمعرفة (1/ 540)، وجامع بيان العلم وفضله (1/ 115)، وأورده ابن حجر في المطالب العالية، وعزاه إلى أحمد بن منيع، ومسدد (4/ 115).
(¬2) طبقات ابن سعد (2/ 371).
(¬3) فضائل الصحابة لأحمد (2/ 960) 1874، والمعرفة (1/ 548).