وكان رضي الله عنه يسأل عن الأمر الواحد ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم (¬1)، فكثرة سؤاله، وأخذه عن كبار الصحابة، جعله يستدرك ما فاته من العلم زمن النبي صلى الله عليه وسلّم، فلحق من سبقه، وسبق من كان مثله.
4 - قوة اجتهاده، وقدرته على الاستنباط:
كان رحمه الله يرجع في فهمه لمعاني الآيات للقرآن أولا، فإن لم يكن رجع إلى أقوال المصطفى صلى الله عليه وسلّم، فإن لم يكن رجع إلى ما تلقاه من كبار الصحابة رضي الله عنهم فإن لم يكن اجتهد رأيه، وقد منّ الله عليه بحظ وافر من أدوات الاجتهاد، جعلته يتبوأ تلك المنزلة الرفيعة بين المفسرين من الصحابة، والتي تتمثل فيما يلي:
1 - فهمه لتراكيب اللغة، وأسرارها.
2 - معرفته بأيام العرب، وعاداتهم، وأنسابهم، وأشعارهم.
3 - قوة الفهم، وسعة الإدراك ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلّم له، ولذا كان ابن عباس يسمى البحر لكثرة علومه (¬2).
فجمع رضي الله عنه بين العلمين: الرواية، والدراية، وكان له نصيب وافر من كليهما، ولذا لما سئل عن علمه كيف حصله؟ قال: بلسان سئول وقلب عقول (¬3).
وعن عبيد الله بن أبي يزيد قال: كان ابن عباس إذا سئل عن الأمر فإن كان في القرآن أخبر به، وإن لم يكن في القرآن، وكان عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أخبر به، فإن لم يكن في القرآن، ولا عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وكان عن أبي بكر وعمر أخبر به، فإن لم يكن في شيء من ذلك اجتهد رأيه (¬4).
¬__________
(¬1) السير (3/ 344).
(¬2) الحلية (1/ 316)، والجرح (5/ 116)، وتاريخ بغداد (1/ 174).
(¬3) فضائل الصحابة لأحمد (2/ 970) 1903، و (2/ 961) 1877.
(¬4) طبقات ابن سعد (2/ 366)، وسنن الدارمي (1/ 59)، والإصابة (2/ 333).