بل إن من ثمار تلك التربية أن أصحابه كانوا يفتون الناس بحضرته.
فعن مجاهد قال: بينما نحن أصحاب عبد الله بن عباس جلوس في المسجد، طاوس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وابن عباس يصلي، إذ وقف علينا (يعني واقفا) فقال: هل من مفتي؟ فقلنا: سل، فقال: ما تقولون في رجل إذا بال، اتبعه الماء الدافق؟ قلنا: الذي يكون منه الولد؟ قال: نعم. قلنا: عليه الغسل، فولى الرجل يرجع، وخفف ابن عباس في صلاته، فلما سلم قال لعكرمة: علي بالرجل، ثم أقبل علينا، فقال: أرأيتم ما أفتيتم به هذا الرجل، أعن كتاب الله؟ قلنا: لا. قال: فعن رسول الله صلى الله عليه وسلّم؟ قلنا: لا. قال: فعمن؟ قلنا: عن رأينا، قال: لذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلّم:
«فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد» (¬1).
فلما جاء الرجل أقبل عليه ابن عباس، فقال: أرأيت إذا كان ذلك منك شهوة في قلبك؟ قال: لا، قال: فحدرا؟ يعني في جسدك، قال: لا. قال: هذه إبردة (¬2)، يجزيك فيها الوضوء (¬3).
¬__________
عندهم التوسع في باب الدراية، ونجد المنقول عنهم في هذا نزرا يسيرا، ويأتي لذلك مزيد بسط ص (548).
(¬1) أخرجه ابن ماجة في سننه، باب فضل العلماء (1/ 81) 222، والترمذي في سننه، كتاب العلم، باب ما جاء في فضل الفقيه، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، ولا نعرفه إلا من هذا الوجه (5/ 48) 2681، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1/ 52)، والبيهقي في شعب الإيمان (2/ 267) 1715، وذكره السخاوي في كتاب المقاصد الحسنة، وقال: سنده ضعيف. وذكر أن سنده يتقوى بما روي من طرق أخرى (336)، وذكره الألباني في ضعيف الجامع الصغير (3/ 96) 3991، وفي تخريجه لأحاديث مشكاة المصابيح، وقال: آفته روح بن جناح، وهو ضعيف جدا. (1/ 75) 217.
(¬2) الإبردة: علة معروفة من غلبة البرد والرطوبة تفتّر عن الجماع، وهمزتها زائدة، ورجل به إبردة، وهو تقطير البول، ينظر لسان العرب (4/ 49).
(¬3) الأثر أخرجه بطوله ابن المنذر في الأوسط (1/ 135) 24، وأورده الهندي في الكنز، وعزاه إلى ابن عساكر، وحسن إسناده (9/ 484) 27083.