المكيين في هذا مجاهد، الذي قال عن نفسه: استفرغ علمي القرآن (¬1).
بل إنه رحمه الله مع إمامته في التفسير، وكونه آية في فهمه وعلمه، كان لا يحسن الفرائض (¬2)، ولم يشتغل كثيرا بالحديث، أو الفقه.
وقريبا منه عكرمة، الذي برز في هذا العلم، حتى عدّه بعضهم إمام مدرسة مكة، ومن أعلم أصحاب ابن عباس في التفسير (¬3).
وقد انعكس ذلك عليهم في علوم أخرى، فقلّ إسهامهم فيها، ففي علم المغازي والسير الذي شغلت به كثير من المدارس، كانت مكة من أقلهم حظا فيه، ولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فأعلم الناس بالمغازي أهل المدينة، ثم الشام، ثم العراق (¬4).
ومما يدل على انقطاع هذه المدرسة لهذا العلم، وتخصصهم فيه، أنها من أكثر المدارس حديثا عن كليات القرآن، ومبهماته، وأسباب نزوله، وبلغ اهتمام بعضهم أن عدّ كلمات القرآن، وحروفه، وغير ذلك من العلوم الخادمة للقرآن.
8 - الاجتهاد، والقدرة على الاستنباط:
هابت كثير من المدارس الخوض في التفسير، والإكثار من القول في التأويل، وكثرت النصوص والآثار المنقولة عنهم في التحذير من هذا، وكانت مدرستا الكوفة والمدينة من أكثر المدارس بعدا عن التأويل وحذرا منه.
وفي المقابل كانت المدرسة المكية أكثرهم توسعا في باب التأويل، ولعل الفضل في هذا بعد الله يعود لأستاذهم ابن عباس رضي الله عنهما الذي كان يأمرهم بالتعلم
¬__________
(¬1) المعرفة (1/ 712).
(¬2) العلل لأحمد (3/ 85) 4292.
(¬3) الجرح (7/ 9).
(¬4) مقدمة في أصول التفسير (60).