ولقد تأثرت البصرة بالمنهج المدني، وأحسب أن السبب في ذلك يرجع إلى نشأة الحسن هناك وتربيته في بيت أم سلمة رضي الله عنها، فلقد رسخ الحسن علاقته بسعيد ابن المسيب، وكان يكاتبه ونهج منهجه في البعد عن الفتن (¬1).
وقد درج قتادة على هذا النحو، ولا سيما بعد رحلته للمدينة، وتحمله عن سعيد، كما أننا نلمح الطابع المدني في اهتمام قتادة بالآثار وإن كان الإرسال كثيرا في رواياته، وروايات شيخه الحسن قبله، وتساهلا في الرواية بالمعنى أيضا.
ولم تتأثر البصرة بالمدرسة الكوفية إلا فيما يتعلق بنقل قراءة ابن مسعود، أما في باقي التفسير فلم أر لهما نقلا عن ابن مسعود إلا في موضعين وكلاهما في الوعظ (¬2).
وأما المدرسة المكية، فمع تأثر بعض البصريين بمنهج المكيين، كأبي العالية الذي كان قد حج ستا وستين حجة (¬3)، وكان ابن عباس يقدره، ومع ذلك لم ينقل علم المكيين عن أبي العالية لقلة تلاميذه وحبه للخفاء وبعده عن التصدر والإفتاء والتدريس، بل على الرغم من أن ابن عباس كان أميرا على البصرة أيام علي رضي الله عنه إلا أن تأثيره لم يتعد إلى كل البصريين، فإمام البصرة الحسن لم يلق ابن عباس، يقول ابن المديني: لم يسمع من ابن عباس ما رآه قط، كان الحسن بالمدينة أيام كان ابن عباس بالبصرة، استعمله عليها علي رضي الله عنه وخرج إلى صفين (¬4).
وكذلك لم يحج الحسن إلا مرتين (¬5) ولم يلق فيهما ابن عباس، ولم يرو قتادة عن
¬__________
(¬1) سيرة الإمام مالك لأبي زهرة (56).
(¬2) عند قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} المائدة: آية (105)، ينظر تفسير الطبري (11/ 139)، 12849، وعند شرح مثل المهل في قوله تعالى: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ} سورة الكهف: آية (29)، تفسير الطبري (15/ 239).
(¬3) المعارف (200).
(¬4) المعارف (33)، ويراجع في ولاية ابن عباس على البصرة تاريخ الطبري (5/ 224، 236)، (6/ 90)، والإصابة (2/ 325).
(¬5) الحسن البصري لإحسان عباس (21).