كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 1)

4 - اتساع دائرة التفسير:
لقد كان التفسير مقتصرا على المنقول وما يضم إليه من علم بالعربية والآثار والسير، ولم يكن ثمة من يجرؤ على مخالفة هذا المنهج للآثار المحذرة من القول في القرآن بلا علم، فلما قام الحبر الأعظم ابن عباس بتدريس القرآن منهج علم، وهداية، وظهر الأثر الحميد لذلك في الناس، اتجهت الأنظار حينئذ إلى لون جديد من ألوان التفسير، وهو التفسير المبني على الاستنباط، والاجتهاد، ولا سيما وقد اتسعت معارف العرب، وخالطوا أهل الكتاب، وتنوعت ثقافاتهم، فبدأ المفسرون يعملون فكرهم في الآيات، ولقد كانت المدرسة المكية كما سبق قريبا رائدة ذلك الأمر للأسباب التي أسلفتها، إلا أن بعضهم دفعه هذا المنهج إلى مخالفة ظاهر القرآن القريب لما يعرض له من الحجة، والاجتهاد.
وليس مخالفة ظاهر القرآن القريب مقتصرا على المدرسة المكية، فإن هذا قد وجد أيضا في المدرسة البصرية، فقد خالف الحسن ظواهر بعض الآيات، لكن الباعث ليس واحدا، فمخالفة أهل البصرة كان سببها غلبة الجانب الوعظي عليهم كما سيأتي بيانه (¬1)، أما مخالفة المكيين، فكانت بسبب الاجتهاد، والاستنباط، وقد سبقت بعض الأمثلة لذلك (¬2).
وبذلك خرج علم التفسير من دائرة ما يسمى التفسير الأثري إلى دائرة أخرى امتزج فيها النقل بالنظر، وعدها بعض المصنفين بداية التفسير العقلي (¬3)، وهذا المصطلح وإن كان قد حدث له بعد ذلك ما يعيبه ويشينه، إلا أن المقصود به آنذاك هو الخروج عن مقتضى التفسير القائم في ذاك العصر، ولا معارض لذلك فيما أعلم.
¬__________
(¬1) سيأتي ذلك ص (574).
(¬2) عند الحديث عن ترجمة مجاهد ص (93)، وعكرمة ص (159).
(¬3) انظر دراسات في التفسير ص (117)، وكتاب القرآن العظيم هدايته وإعجازه ص (197).

الصفحة 554