كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 2)

ولم يكن تلقي التابعين مقتصرا على السماع فقط من الصحابة، بل تعدى ذلك إلى تتبع أفعالهم والاقتداء بها، ولا سيما فيما يتعلق بالتفسير، كما سبق في توقف سعيد عن تفسير ما توقف فيه ابن عباس، وأصرح من ذلك لما سئل مجاهد عن السجدة في سورة (ص)، قال: سئل ابن عباس فقال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} (¬1)، وكان ابن عباس يسجد فيها (¬2).
لقد بلغت متابعة التابعين للصحابة مبلغ الملازمة الطويلة حرصا على التثبت، فعلقمة (مثلا) اختلف إلى عبد الله شهرا في امرأة توفي عنها زوجها، ولم يدخل بها، ولم يفرض لها صداقا، فقال: لها مثل صداق نسائها، وعليها العدة، ولها الميراث (¬3).
ويفعل ذلك مجاهد فيسأل ابن عباس شهرا عن رجل يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يحضر جمعة ولا جماعة قال: هو من أهل النار (¬4).
ومما يدل على عظيم قدر تفسير الصحابة عند التابعين، أن بعض أئمة المدارس التي هابت التفسير، ولم تتعرض للاجتهاد فيه، وقد وجد من أصحابها المتأخرين من اشتغل به، فأنكر عليه، وعيب بذلك، كان من أبلغ ما رد به على منتقديه أن ذكرهم بأن تفسيره إنما هو عن بعض الصحابة، وأنه لم يأت بجديد من عنده، كما كان يفعل السدي فقد أنكروا عليه توسعه، وإكثاره في باب التفسير، فأشار إلى أن تفسيره إنما هو صدى تفسير ابن عباس وأقواله، فإن كان قد أخطأ، أو أكثر، فإنه من ابن عباس أخذ، وعنه روى (¬5)، ولكثرة أخذه عن ابن عباس عده الأئمة رواية له (¬6).
¬__________
(¬1) سورة الأنعام: آية (90).
(¬2) رواه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، سورة ص، ينظر الفتح (8/ 544) 4806.
(¬3) المعرفة (2/ 637).
(¬4) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (7/ 1456) 2808.
(¬5) أخبار أصبهان (1/ 204).
(¬6) تاريخ العجلي (66)، ومجموع الفتاوى (13/ 366).

الصفحة 655