والإمام أحمد قد وثق السدي، وإنما عاب عليه تكلفه في المجيء بالإسناد لتفسيره (¬1).
وهذا لا يعني أن السدي كان يضع الأسانيد كذبا على الصحابة، حاشاه ذلك، وإلا فمثل هذا لا يوثقه أحمد، ولا غيره، ولكن المراد والله أعلم أن السدي لما رأى حرص التابعين على الأخذ من الصحابة، صار يحدث عن الصحابة فيما يعلمه، وأخذه منهم، وما لم يسمعه مباشرة فإنه يأخذه بنزول عمن يحدث عن الصحابي، ولربما كان في هذا النزول ضعف لأن الراوي الذي يأخذ منه السدي يكون ضعيفا، فلحرص السدي رحمه الله على الإسناد عن الصحابة كان لا يبالي عمن أخذ التفسير، ما دام في الإسناد عن فلان الصحابي رضي الله عنه.
وقد حرص التابعون على نقل هذا المنهج لتلاميذهم من أتباع التابعين، وذلك بتوجيههم حين السؤال، أو برواية المأثور حينما يسألون، فقد سئل عبيدة عن آية من كتاب الله فقال للسائل: عليك بتقوى الله والسداد، فقد ذهب الذين كانوا يعلمون فيم أنزل القرآن (¬2).
وفهم التلاميذ هذا المنهج، ودرجوا عليه لكثرة ما سمعوه من شيوخهم، فعند ما كان يسأل عطاء تلاميذه، وخاصة ابن جريج عن المسألة فيقول له ابن جريج: هل بلغك في هذا الشيء شيء ما عن النبي، أو أحد أصحابه (¬3)، وها هو إبراهيم يسأل مجاهدا عن قوله عز وجل: {الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} (¬4).
ويقول له: قل فيها ما سمعت، قال مجاهد: كنا نسمع أنها النجوم (¬5).
¬__________
(¬1) تهذيب التهذيب (1/ 314).
(¬2) المصنف لابن أبي شيبة (10/ 511) 10148.
(¬3) المصنف لعبد الرزاق (5/ 40، 73، 77) 8923، 9037، 9053.
(¬4) سورة التكوير: آية (16).
(¬5) تفسير الطبري (30/ 76).