أسباب تفاوت التابعين في الأخذ عن الصحابة:
لقد ظهر لي عدة عوامل أدت إلى اختلاف التابعين في نقلهم عن الصحابة، فمن ذلك:
1 - كثرة الصحابة أو قلتهم في الأمصار:
لا شك أن كثرة عدد الصحابة في مصر من الأمصار يؤدي إلى كثرة المنقول عنهم في باب التفسير، والعكس بالعكس، فنجد على سبيل المثال: الشعبي أدرك خمسمائة من الصحابة، وسمع من ثمانية وأربعين منهم، مما أدى إلى إكثاره في النقل عن الصحابة، سواء كان ذلك في التفسير (¬1) أو في غيره، في حين نجد قلة الآثار المسندة عند البصريين لقلة الصحابة في هذا المصر، بل نجد النخعي وهو من مدرسة الشعبي نفسها لما لم يدرك إلا القليل لم يحفل تفسيره بكبير نقل عن الصحابة.
2 - حال الصحابي:
مما أدى لاختلاف التابعين، وتفاوتهم في باب الرواية، تأثرهم بشخصية الصحابي الذي تلقوا عنه العلم، فإن الصحابة كانوا متفاوتين كما قال مسروق: لقد جالست أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فوجدتهم كالإخاذ يروي الرجل، والإخاذ يروي العشرة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض لأصدرهم (¬2).
ومن أمثلة هذا التأثر ما نجده من حال ابن مسعود، فهو عند ما عني بالقراءة والإفتاء كان هذا هو الشاغل لتلك المدرسة الآخذة عنه، ولا سيما أصحابه الملازمون له، وبالنظر في تراجم كتب كبار القراء، نجد أن نصيب الكوفة من التابعين القراء كان أكبر من
¬__________
(¬1) وقد سبق بيان أن عامرا الشعبي كان من أكثر الصحابة اعتمادا على هذا المصدر، فقد صرح بالنقل عنهم في أكثر من (05، 0) من تفسيره، في حين كان الذي يليه في هذه النسبة إبراهيم ولم تزد نسبة ما أخذه صراحة عنهم عن (02، 0)، وغيرهم من التابعين دونهم في ذلك.
(¬2) المعرفة (2/ 542)، والعلم لأبي خيثمة (123).