كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 2)

أخرى، في كثرة المروي، أو قلته، وهذا ليس خاصا بمكان دون مكان، بل قد يكون الاختلاف في المدرسة الواحدة، حيث الشيخ الواحد، والبيئة الواحدة، تبعا لاختلاف الميول، والاهتمامات.
فمثلا لما كان عكرمة يميل إلى معرفة أسباب النزول، لذا لاحظنا بروز ذلك، وتأثره به في رواياته عن شيخه ابن عباس في هذا الجانب، فأكثر من ذلك، في حين اهتم سعيد بن جبير بالقراءة، والإسرائيليات، فروى عن ابن عباس الكثير من ذلك، فكل واحد منهما تأثر بشيخه في جانب فأكثر من الرواية عنه فيه.
وكذلك كان لغلبة الورع على رجل منهم الأثر في كثرة الاحتياط عنها في رواية السنة، فيروي، ويفتي بقول الصحابة، أو من دونهم.
مثل إبراهيم النخعي عند ما سئل في مسألة فقيل له: أما تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا، قال: بلى، ولكن أقول: قال عبد الله. قال علقمة أحب إليّ (¬1).
وقد يكون حب التابعي للشيخ، وشغفه بهديه ودله، مفضيا به إلى تتبع مروياته خاصة، فمن الأسباب التي قللت نتاج بعض المدارس شدة الحرص على التلقي، والأخذ عن الصحابة، والاشتغال بالرواية دون الدراية، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما يجده الناظر في حال أصحاب ابن مسعود، ولا سيما علقمة الذي كان من أوضح أسباب قلة المروي عنه أنه عني فقط بقول ابن مسعود، وكان علقمة انتهى إلى قول عبد الله، ولم يجاوزه (¬2).
لقد تشبث علقمة بهدي ابن مسعود حتى لقد قيل عنه: إذا رأيت علقمة فلا يضرك أن لا ترى ابن مسعود (¬3).
¬__________
(¬1) سنن الدارمي (1/ 83).
(¬2) المعرفة (2/ 557).
(¬3) التهذيب (7/ 177)، والعلل لابن المديني (47).

الصفحة 669