إليه خالي الذهن، بل كان يدوّن ما سيسأله.
عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير قال: قال يهودي بالكوفة لي وأنا أتجهز للحج: إني أراك تتبع العلم، أخبرني أي الأجلين قضى موسى قلت: لا أعلم، وأنا قادم على حبر العرب يعني ابن عباس فسائله عن ذلك، فلما قدمت مكة سألت ابن عباس عن ذلك، وأخبرته بقول اليهودي، فقال ابن عباس: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن النبي إذا وعد لم يخلف، قال سعيد: فقدمت العراق فلقيت اليهودي، فأخبرته، فقال: صدق، وما أنزل على موسى هذا (¬1).
وكذا كان حاله مع ابن عمر رضي الله عنهما فقد جاء عنه أنه قال: كنا إذا اختلفنا بالكوفة في شيء كتبته عندي حتى ألقى ابن عمر فأسأله عنه (¬2).
بل كان أحدهم إذا أراد أن يخرج ويسافر إلى بلد فيها أحد من الصحابة أعلم الناس بذلك حتى يجمعوا له المسائل (¬3).
وأبلغ من ذلك أن سعيدا رحل إلى ابن عباس الأيام والليالي في المسألة الواحدة، فعنه قال: اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن فرحلت إلى ابن عباس فقال: نزلت في آخر ما نزل، ولم ينسخها شيء (¬4).
ولم يكن هذا منهجا خاصا بسعيد، فقد جاء هذا أيضا عن عكرمة، الذي كان جوالا في الأقاليم، والبلدان، ولاهتمامه ببث تفسير شيخه في مختلف البلدان قلّ نتاجه التفسيري، كما أن الأقاليم التي كان يحل بها ضيفا كانت تؤثر أخذ تفسير ابن عباس منه، وتقدمه على الأخذ من قوله وتأويله، ولذا فإن عكرمة يعتبر أكثر رواية عن
¬__________
(¬1) تفسير الطبري (20/ 68)، ودراسات في التفسير وأصوله (50).
(¬2) طبقات ابن سعد (6/ 258)، والزهد لأحمد (443)، والحلية (4/ 275).
(¬3) المعرفة (2/ 816).
(¬4) الرحلة في طلب الحديث (139)، ونواسخ القرآن لابن الجوزي (289).