أكثرهم في ذلك مجاهد، وعكرمة، ثم سعيد، ولما كان عطاء من أقل المكيين صلة بابن عباس كان من أقلهم تفسيرا.
ثم إن الحرص على رواية تفسير ابن عباس والإكثار منه، شغل بعض أصحاب هذه المدرسة عن الاجتهاد في التفسير، كسعيد، وعكرمة، في حين أدى تميز ابن عباس في مجال الاجتهاد أن أصحابه الملازمين له أخذوا هذا المنهج، وساروا عليه فاجتهدوا، بل حتى فيما يخالفون به شيخهم.
فها هو ابن جبير يقول: قلت لابن عباس: ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة قال:
لا، قال: فتلوت عليه الآية التي في الفرقان: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} (¬1) قال: هذه مكية نسختها آية مدنية (¬2)، ثم لا يكتفي ابن جبير بهذا، فيسأل مجاهدا، فيجيبه مجاهد قائلا: إلا من ندم (¬3).
ومما ورد عن المدرسة المكية أيضا من المخالفة لشيخهم مخالفة مجاهد لشيخه ابن عباس في معرفة نزول قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدى َ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} (¬4)، قال فيها ابن عباس: فهذا ونحوه نزل بمكة والمسلمون يومئذ قليل، وقال مجاهد: {فَمَنِ اعْتَدى َ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى َ عَلَيْكُمْ}: فقاتلوهم فيه كما قاتلوكم (¬5).
وكذلك ما ورد في قوله تعالى: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ} (¬6)، قال ابن عباس:
أعوانكم على ما أنتم عليه إن كنتم صادقين، وقال مجاهد مخالفا لابن عباس: قوم
¬__________
(¬1) سورة الفرقان: آية (68).
(¬2) صحيح مسلم، كتاب التفسير، (5/ 2318)، وسنن النسائي (7/ 85)، (8/ 62) 4863 4864.
(¬3) تفسير الطبري (9/ 62) 10187.
(¬4) سورة البقرة: آية (194).
(¬5) تفسير الطبري (3/ 580) 3142، 3143.
(¬6) سورة البقرة: آية (23).