التفسير، وظهر لذلك أثر كبير في تفسيرهم، وقبل الخوض في أسباب ذلك، رأيت أنه من المفيد أن أشير إلى أنني لم أستطع أن أقسم المدارس التفسيرية في هذا المبحث لأن الاختلاف لم يظهر جليا بين مدارس التفسير بقدر ما ظهر بين أئمة تلك المدارس.
فإذا جزمنا مثلا بأن المدرسة المكية هي أكثر المدارس تناولا لهذا المنهج، واستفادة من هذا المصدر، لم نجد لدينا دليلا على ذلك إلا كثرة المنقول عن مجاهد فقط، في حين لم يكن هذا دأب عكرمة، وسعيد بن جبير، بل يقل هذا كثيرا عند عطاء، الذي لم يكن مبرزا في اللغة، حتى لقد تمنى أن لو كان متقدما في علم اللغة، قال ذلك، وهو في التسعين من عمره (¬1).
فإذا انتقلنا إلى البصرة، فإننا نجد أن هذا المصدر نهل منه إمامان من أئمة البصرة، وهما الحسن، وقتادة، ومع ذلك لم يكن المنقول عنهما يوازي المنقول عن مجاهد كما، وكذلك لم يساوه كيفا، فإن مجاهدا قد استخدم اللغة بمهارة فائقة في استخراج المادة العلمية للتفسير، في حين ظهرت اللغة في تفسير الحسن وقتادة في جانب الفصاحة أكثر منه في جانب الاعتماد عليها في معرفة المشتق، والإيجاز، والتقديم، والتأخير، وغير ذلك مما برع فيه مجاهد.
ولذا فلا نستطيع أن نجعل البصرة هي المدرسة المتميزة في ذلك. فإذا جئنا إلى الكوفة مثلا: نجد الشعبي الذي يعد من أشعر التابعين، إلا أنه لم يعتمد على الشعر في التفسير، في حين أن إبراهيم لم يكن ذا تعمق في اللغة.
ولأجل ذلك كله رأيت إبراز اللغة بوصفها مصدرا من مصادرهم في التفسير، جاعلا مناط هذه الدراسة الأفراد لا المدارس.
وإذا نظرنا للنتاج التفسيري باللغة نستطيع أن نميز بعض المفسرين ممن اختص ببعض
¬__________
(¬1) وقد سبق بيان ذلك في ترجمته ص (194).