واستدلوا على ذلك بأمثلة كثيرة، ورأى آخرون أن هذه الأمثلة لا تعدو أن تكون مما اشتركت فيه اللغات، ولكل فريق أدلته واستنباطاته (¬1).
ومما يلاحظ في هذا أن المفسرين الذين كانوا عربا أصلا لم يولوا هذا الجانب اهتماما، ولعل أكثر المهتمين بذلك هم من غير العرب، ولذلك نجد الفرق في هذا الباب بين المروي عن عكرمة مثلا ويعد من أكثرهم في هذا الباب، وهو من الموالي وبين المروي عن قتادة السدوسي العربي الأصل، بل يقارن في ذلك ما كان مرويا عن الصحابة بما كان عن التابعين.
وإذا نظرنا إلى بعض الكلمات التي قيل عنها أعجمية فإننا لا نجد ما يدل على أنها ليس لها أصل في العربية بوجه، وهذا ما يؤكد أن هذه الكلمات مما توافقت فيه اللغات، بدليل أنهم يقولون في شرح الكثير منها: إن معناه في الفارسية أو الحبشية كذا، وكذا.
وقد يكون المراد أن العرب قد أخذت هذه الكلمات، وهضمتها، وأجرت عليها قوانينها، فكأن الحديث إنما هو عن أصل هذه الكلمات، لا عن أفرادها الموجودة في القرآن (¬2).
وعلى ذلك يحمل ما ورد عن السلف في الكلام على هذا الباب، فمن ذلك ما جاء عن سعيد بن جبير وأبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أن القرآن نزل بكل لسان (¬3).
وعن سعيد قال: قالت قريش: لولا أنزل هذا القرآن أعجميا وعربيا فأنزل الله تعالى ذكره: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ}
¬__________
(¬1) يراجع في هذه المسألة تفسير القرطبي (1/ 49)، والبرهان (1/ 287)، وفتح الباري (8/ 252)، والإتقان (1/ 178)، والمهذب فيما وقع في القرآن من المعرب (6657).
(¬2) تفسير الطبري، المقدمة (1/ 2013)، وينظر علوم القرآن لعدنان زرزور (399).
(¬3) المصنف لابن أبي شيبة (10/ 469).