كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 2)

وقال أيضا بعد أن ذكر الآثار عن السلف في تعظيم التجرؤ على التفسير: فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها من أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعا فلا حرج عليه، ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير، ولا منافاة لأنهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه، لقوله تعالى: {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} (¬1).
ويؤكد هذا أيضا ما ورد عن ابن عباس أنه قال: «التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى ذكره» (¬2).
فهذا يدل على تفاوت مراتب التفسير، وأن العلماء يعرفون من التفسير ما لا يعرفه غيرهم، ولو لم يكن الاجتهاد والأثر، لم يكن فرق بينهم، وبين غيرهم، والله أعلم.

مواطن الاجتهاد في تفسير التابعين:
ومع كثرة المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن صحابته في التفسير، إلا أن هذه الروايات الكثيرة لم تستوعب بيان كل آي القرآن، ولم تحط بها، ولا غرو فإن القرآن الكريم معين لا ينضب، وما زال القرآن غضا طريا حتى يومنا هذا، لا تشبع منه العلماء، ولا يخلق مع كثرة الترديد.
ولذا فقد ظهرت اجتهادات التابعين في التفسير، حتى إبان عهد الصحابة، وشملت اجتهاداتهم مواطن كثيرة، غالبها مما سكت عنه الصحابة ومن أهمها:
¬__________
(¬1) مجموع الفتاوى (3/ 374).
(¬2) تفسير الطبري (1/ 75) 71.

الصفحة 710