والمقدم على اجتهادات من بعدهم.
ولقد تبين لي بعد البحث، والجمع، ومراجعة تفاسيرهم، أن اجتهادهم تميز بعدة مميزات، بيانها كالتالي:
1 - تنوع عبارات الاجتهاد وتعددها:
لقد اختلف مسلك التابعين في باب الاجتهاد، فنجد منهم أحيانا من يفسر بالقاعدة، والكلية، وأحيانا منهم من يفسر بالمثل، والقصة، وإذا دققنا البحث نجد أن من كان منهم لا يتوسع في الاجتهاد، يعتمد على التفسير بالمثال، ولذا تتنوع عباراتهم، ومؤداها واحد، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع، لا اختلاف تضاد (¬1).
ولما كان الكثير من آيات القرآن له صفة العموم، فقد كثر هذا النوع من الاختلاف عندهم، وكل وجه يصدق عليه الكثير من الأوجه والاحتمالات، بل إن الآيات التي لها سبب نزول خاص، قد نص فيها العلماء على أن العبرة بعموم اللفظ، فنقل عنهم الاختلاف فيها، وهو من هذا الضرب، فإنه قد يقول المفسر: إن هذه الآية نزلت في كذا، ولا يريد اختصاصها به، كما في آية الظهار نزلت في امرأة أوس بن الصامت وآية اللعان نزلت في عويمر العجلاني، أو هلال بن أمية، والآية التي لها سبب معين فهي تتناول ذلك الشخص، وغيره ممن كان في منزلته، ولذا فإن قولهم: نزلت هذه الآية في كذا يراد به تارة أنه سبب النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية، وإن لم يكن السبب، كما تقول: عني بهذه الآية كذا (¬2).
وقد تختلف عبارة المفسر الواحد أحيانا، وينقل عنه أكثر من عبارة لتغير اجتهاده،
¬__________
(¬1) سيأتي تفصيل ذلك في مبحث نوع الاختلاف في التفسير بين مفسري التابعين ص (943).
(¬2) مجموع الفتاوى (13/ 339).