كما ورد عن مجاهد مثلا، فإنه قد أكثر من الاجتهاد فنقلت عنه العديد من الروايات مختلفة في الآية الواحدة أحيانا، ومتقاربة في أحيان أخرى، هذا إن دل على شيء فإنما يدل على كثرة تعرضه للآيات، وتفسيرها، والاجتهاد في بيان معناها، وتوضيحه.
فمن ذلك ما ورد عنه عند تأويل قوله تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلى َ قُلُوبِهِمْ} (¬1). قال الأعمش: أرانا مجاهد بيده فقال: كانوا يرون أن القلب في مثل هذا يعني الكفّ فإذا أذنب العبد ذنبا ضمّ منه وقال بإصبعه الخنصر هكذا فإذا أذنب ضم وقال بإصبع أخرى فإذا أذنب ضمّ وقال بإصبع أخرى هكذا، حتى ضم أصابعه كلها، قال: ثم يطبع عليه بطابع (¬2).
وفي رواية قال رحمه الله: الران أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشد ذلك كله (¬3).
2 - الإيجاز غير المخل:
غلب على تفسير التابعين العبارات الموجزة، والتي تحمل في ثناياها المعاني العظيمة، ولا يظهر في أسلوبهم الإطناب والاستطراد، الذي نجده في عبارات الكثير ممن جاء بعدهم، ولذلك يجد المطالع لكتب التفسير بيان المعنى عندهم في كلمات معدودة.
وهذا من المفارقات الرئيسة بين التابعين، وأتباعهم، فإننا نجد التابعين لا سيما في طبقة كبارهم ومتوسطيهم (¬4)، يغلب على عباراتهم السبك والإيجاز غير المخل المؤدي
¬__________
(¬1) سورة البقرة: آية (7).
(¬2) تفسير الطبري (1/ 258) 300.
(¬3) تفسير الطبري (1/ 259) 303.
(¬4) أما صغار التابعين كقتادة، وبعده السدي، فلم تكن حالهم كحال من سبقهم، إنما كان في