لإيضاح المعنى بأبلغ عبارة وأقصرها، فكانت غالب كلماتهم جامعة، لم يرق إلى مستواها من جاء بعدهم من أتباعهم.
3 - عمق التأمل ودقة التفسير:
لقد عرف التابعون عظمة القرآن، وتشربت به قلوبهم، وعظم في أعينهم تناول الصحابة الكرام للآيات، فأعملوا النظر ودققوا الفكرة، فبان لهم أن كتاب الله بحر لا تنقضي عجائبه، فاتخذوا ثاقب العقول سفنا خاضوا بها لججه، فاستخلصوا درر المعاني من جواهر ألفاظه، واستنبطوا لآلئ الأحكام من بديع آياته.
ولا تعجب إن رأيت منهم مهموما من كثرة تأمله في كلماته، مغموما من التفكر في سوره، كأنه خربندج ضل حماره، كما وصف شيخ المفسرين مجاهد بهذا (¬1).
أو إن رأيت من يبيض ليله في تأمل آى الذكر، ويطلع عليه الصبح ولم يفرغ من تدبره، والنظر فيه، كمحمد بن كعب القرظي (¬2).
وحق لمثل هؤلاء أن يكون منهم من يسمع الكلمة الفذة، واللفظة النادرة، فينفتح له خمسون بابا من العلم كما هو حال عكرمة (¬3).
ومما يدل على ما سبق ما نجده من تفسير قتادة لقوله تعالى: {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} (¬4). قال: فالسحر سحران:
سحر تعلمه الشياطين، وسحر يعلمه هاروت وماروت (¬5).
¬__________
عبارتهم طول نسبي، زاد هذا في عصر أتباعهم.
(¬1) طبقات ابن سعد (5/ 466)، والمعرفة (1/ 711).
(¬2) مضى تفصيل ذلك في ترجمته ص (355).
(¬3) مضى تفصيل ذلك في ترجمته ص (159).
(¬4) سورة البقرة: آية (102).
(¬5) تفسير الطبري (2/ 421) 1674، وأورده السيوطي في الدر، وعزاه إلى ابن جرير، عن قتادة به