كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 2)

بعدهم.
فهذا أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله كثيرا ما يجتهد في انتقاء القول الراجح عنده من بين أقوال المفسرين، وربما خرج عن أقوالهم إلى ما يستنبطه هو، إلا أننا نجده في كثير من الأحيان يعتمد قول التابعي، وربما لا ينقل غيره، ومثال ذلك ما جاء في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ} (¬1).
ينقل ابن جرير عن السدي قوله: السوء: المعصية، وأما الفحشاء فالزنا. اه، ولا يورده عن غير السدي ثم يقبله ويرتضيه (¬2).
ولما تعرض سعيد بن جبير لقوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} (¬3)، قال في لغو اليمين: هي اليمين في المعصية، ثم قال للذي سأله: أولا تقرأ فتفهم، قال الله: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ}، وقرأ الآية ثم قال: فلا يؤاخذه بالإلغاء، ولكن يؤاخذه بالتمام عليها (¬4).
وتنقل لنا كتب التفسير، ما ورد عن التابعين عند قوله سبحانه: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً} (¬5) فنجد المنقول عن عطاء، والسدي، ومجاهد، والربيع، وإبراهيم (¬6) أنهم قالوا: الجنف: الخطأ، والإثم: العمد، وهذا هو الأليق بسياق الآية،
¬__________
(¬1) سورة البقرة: آية (169).
(¬2) تفسير الطبري (3/ 303) 2445، وزاد المسير (1/ 173)، وأورده السيوطي في الدر، وعزاه إلى ابن جرير، عن السدي به (1/ 404)، وفتح القدير (1/ 168).
(¬3) سورة المائدة: آية (89).
(¬4) تفسير الطبري (4/ 441) 4445.
(¬5) سورة البقرة: آية (182).
(¬6) تفسير الطبري (3/ 406) 2709، 2710، 2711، 2712، 2714، وأورده السيوطي في الدر، وعزاه إلى سفيان بن عيينة، وعبد بن حميد، عن مجاهد بنحوه (1/ 426).

الصفحة 718