كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 2)

ولم يقتصر فعل المدرسة المدنية على الإحجام فحسب، بل تعدى ذلك إلى الإنكار كما أشرت إليه آنفا، فإنه لما قدم إمام مكة في التفسير عكرمة، والذي قيل فيه: إن تلاميذ ابن عباس عيال عليه، جلس يحدث الناس بالتفسير أنكر سعيد بن المسيب عليه، وقال لمن يسأله: لا تسألوني وسلوا من يزعم أنه لا يخفى عليه شيء (¬1).
وترتب على هذا الورع الذي كان عند علماء المدينة، أننا لم نلحظ المحاولات التفسيرية الأولى إلا في الطبقة الثانية التي تلي طبقة كبار التابعين كطبقة محمد بن كعب، وزيد بن أسلم، على قلة التفسير المنقول عنهم، مع تقدمهم في تحصيل علومه، وأحسب أن من أهم الأسباب التي أدت إلى ذلك أن المحيط المدني كثر فيه الحديث، والأثر والفقه، فغلب على رجالاته كما سبق دراسته في خصائص المدرسة المدنية (¬2).
ولا تخرج المدرسة الكوفية عن محيط هذا الضرب أيضا، فقد قل نصيبها في باب الاجتهاد في التفسير، ولم نجد من المحاولات التفسيرية إلا ما كان عند متأخري التابعين، كالسدي ذي الأصل الحجازي، فقد تصدر هذا الميدان وأكثر فيه، مما جعل الشعبي إمام الطبقة الوسطى من التابعين في هذه المدرسة ينهاه ويعيب تفسيره، فما وجد السدي بدا من أن يحتمي لرد ذلك ببيان حاله وأنه لم يجتهد في هذا التفسير، إنما هو منقول عن ابن عباس، فإن كان صوابا فهو قاله، وإن كان خطأ فهو قاله (¬3).
ومع ذلك فقد نقلت جملة صالحة عن مدرسة الكوفة في طبقة الشعبي والنخعي، في باب الاجتهاد، ولا سيما في تفسير آيات الأحكام واستنباط الأحكام الشرعية منها (¬4).
¬__________
(¬1) مرّ ذلك في ترجمة سعيد ص (347).
(¬2) ينظر ص (595).
(¬3) ينظر في ذلك ترجمة السدي ص (301).
(¬4) تراجع ترجمة الشعبي ص (324)، وترجمة إبراهيم ص (337).

الصفحة 720