كتاب تفسير التابعين (اسم الجزء: 2)

ويقول كما نقل عنه في تفسير قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} (¬1): أنا ممن يعلم تأويله (¬2).
وكان يقول: كل القرآن أعلم إلا أربعا: غسلين، وحنانا، والأواه، والرقيم (¬3).
ولم ينفرد ابن عباس رضي الله عنهما بين الصحابة بذلك، بل شاركه ابن مسعود رضي الله عنه في هذا حيث قال: والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا نزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن أنزلت، ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه (¬4).
إلا أن اتجاه ابن عباس في التفسير كان هو الإكثار، وإعمال العقل، وتوسيع دائرة الاجتهاد، في حين كان ابن مسعود يميل للورع الشديد في هذا الباب لذا تبعه أهل الكوفة في ذلك، ثم إن ابن مسعود توفي قديما (¬5)، في حين تأخرت وفاة ابن عباس
¬__________
(¬1) سورة آل عمران: آية (7).
(¬2) تفسير الطبري (6/ 203) 6632، وزاد المسير (1/ 354)، وفتح القدير (1/ 319).
(¬3) تأويل مشكل القرآن (99).
(¬4) رواه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وينظر الفتح (9/ 47) 5002، وقد سبق تفصيل تخريجه في مبحث المدرسة الكوفية، في ترجمة ابن مسعود رضي الله عنه ص (461)، وهذا الأثر الأظهر تنزيله على التفوق والسبق من ابن مسعود رضي الله عنه في علم القراءة لا علم التفسير لأن المنقول عنه رضي الله عنه في التفسير قليل ولأن الخبر إنما جاء من باب التحدث بنعمة الله في علم القراءة، بدليل ما جاء في بعض الزيادات الصحيحة، ولو أعلم أحد أعلم مني بالعرضة الأخيرة، ثم مما يؤكد ذلك صنيع الإمام البخاري في صحيحه حيث جعله في باب القراء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثم إن هذا الأثر من ابن مسعود، إنما جاء في معرض عدم الرضى عن فعل عثمان (رضي الله عنهم أجمعين) عند ما قدم زيدا عليه.
ولذا فالذي أميل إليه هنا أن الأثر جاء في القراءة لا في التفسير، والله تعالى أعلم.
(¬5) سنة 32هـ.

الصفحة 724