يرى أن الرأي الحسن من أفضل العبادة، ولما سافر إلى الكوفة أهل الفقه والقياس كان من أسهلهم في قبول القياس، والعمل به، مع ما غلب على حاله من كثرة التأمل، والتفكير.
وقد امتاز رحمه الله عن بقية تلاميذ ابن عباس، بل عن سائر أقرانه من المفسرين بإعطاء العقل بعض الحرية في النظر، والتأمل، فعده البعض من أوائل من أدخل التفسير بالاجتهاد في التفسير بالمأثور (¬1)، ولذا قال فيه الذهبي: لمجاهد أقوال وغرائب في العلم والتفسير تستنكر (¬2).
وكما يشهد لذلك ما سبق بيانه من تأويله للمسخ الواقع على بني إسرائيل، أنه لم يكن حقيقة، إنما المسخ وقع على قلوبهم، وعلل تلك المخالفة بأن هذا مثل ضربه الله، وانفرد بهذا بين عموم التابعين، وخالف عفا الله عنه في إنكار نزول المائدة، وقال:
مثل ضرب لم ينزل عليهم شيء، ومثل ذلك ما جاء عنه في تأويل قوله تعالى: {ثُمَّ اجْعَلْ عَلى َ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً} (¬3)، قال: هو مثل ضربه الله لإبراهيم (¬4).
وبهذا يتضح لنا مدى الاجتهاد الاستقلالي الذي سار فيه مجاهد، وأنه مع تلقيه عن ابن عباس إلا أن الاستقلال بدا واضحا في منهجه، ونتج عن ذلك أمور منها:
1 - قلة روايته عن شيخه ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد، مع أنه من أكثر أصحاب عبد الله بن عباس أخذا عنه، فقد كان من أقلهم رواية لتفسير شيخه (¬5).
¬__________
(¬1) القرآن الكريم هدايته وإعجازه (197، 198).
(¬2) السير (4/ 455).
(¬3) سورة البقرة: آية (260).
(¬4) سبق تفصيل هذه الأمثلة في ترجمته ص (93).
(¬5) بعد مراجعتي لتفسير الطبري، وجدت أن عدد المروي عن ابن عباس (5809) روايات، منها (684) رواية جاءت من طريق سعيد بن جبير، و (513) رواية جاءت من طريق عكرمة، و (179) رواية فقط جاءت من طريق مجاهد.