وأحسب أن مجاهدا قد جمع العلمين: علم الرواية، والدراية، فجمع ما حفظه من ابن عباس، مع ما عنده من الفهم، والقدرة الفائقة على الاستنباط والقياس، فكان هذا النتاج العظيم الذي زاد في عدده على ما عنده شيخه رضي الله عن الجميع.
2 - وترتب عن هذا الإمعان الشديد في الاجتهاد، أن كان رحمه الله حريصا على تنويع مصادر تلقيه، فاتصل بشيوخ المدارس الأخرى، وأخذ منهم، مما كان له الأثر في وضوح استقلاليته في المنهج عن بقية أصحابه، كما كان لذلك الأثر الإيجابي في تأهله لمرتبة عالية من الاجتهاد.
ويضاف إلى ذلك حرصه رحمه الله على رؤية ومعرفة كثير من الأخبار، والعجائب التي ذكرت في القرآن، فكان كما يقول الأعمش: لا يسمع بأعجوبة إلا ذهب ينظر إليها، ثم ذكر قصة ذهابه لرؤية هاروت وماروت (¬1).
3 - اهتمامه بالمشكل وكثرة اجتهاده فيه. فقد كان من أكثر التابعين حرصا على بيان مشكل الآي (¬2).
ومن المعلوم أن علم حل مشكل الآيات يحتاج إلى إمامة في باب الاجتهاد، وقدرة على الجمع بين ما يتوهم أنه اختلاف وليس كذلك، فمن أمثلة ذلك ما جاء في تفسيره لقوله تعالى: {بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} (¬3)، قال: يرزقون من ثمر الجنة ويجدون ريحها وليسوا فيها (¬4).
¬__________
(¬1) سبق ذكر القصة كاملة في ترجمته ص (130).
(¬2) وقد سبق بيان ذلك في أثر مجاهد في علوم القرآن، ينظر ذلك في ترجمته ص (114).
(¬3) سورة البقرة: آية (154).
(¬4) تفسير الطبري (3/ 215) 2317، وأورده السيوطي في الدر، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد به (1/ 376).