ثم إنه لم يعن بطرق التحمل والأداء كعناية قتادة، فقد غلب عليه الجانب الوعظي، وقد أثر ذلك في الاعتماد على مراسيله، حيث لم يقبلها كثير من أهل العلم، وجعلوها كالريح.
أما قتادة فقد سبق أنه أحد الأوعية الذي حفظ كثيرا من الآثار والسنن ولذلك غلب عليه الجانب الروائي، فكان من أقل التابعين بالبصرة إعمالا للرأي في التفسير.
فقد استغنى رحمه الله بمحفوظه، وبما أعطاه الله من قدرة على الحفظ عن مجهوده وأكثر النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، وعن كبار التابعين، فأغناه عن إعمال فكره في الاجتهاد، ولا سيما أنه لكثرة محفوظه يختار من أقوال أهل العلم ما يشاء، ويدع ما يشاء، فلقد كان من أعلمهم باختلاف العلماء كما قال ذلك سعيد بن المسيب، وأحمد بن حنبل (¬1).
ولقد غلب حب الآثار على نفس قتادة، فلم يكتف بالنقل عن الحسن وأنس، بل تعدى حيث روى عن المدنيين، وخاصة ابن المسيب، وعن الكوفيين: الشعبي، والنخعي، وغيرهم، ثم هو مع هذه الحافظة القوية، كان يختار منها ما يكون أقرب للجانب التربوي عند تفسير الآيات، أو استنباط المعاني والمواعظ، متأثرا في ذلك بشيخه الحسن الذي تابعه متابعة شديدة، وتأثر به في ذلك، مع أنه لم يتأثر به في جانب الرأي والاجتهاد كما مرّ معنا، بل خالفه في ذلك ولأجل ذلك أثرت عن الحسن بعض الاجتهادات التي فيها نظر لأهل العلم كما مرّ ذلك (¬2)، إلا أن شيئا من ذلك لم يؤثر عن قتادة، بل قد ينقل عنه صراحة ما يدل على خلافه، مثل ما قاله الحسن في قوله تعالى:
{إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ} (¬3)، حيث قال: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط،
¬__________
(¬1) السيرة (5/ 276).
(¬2) ينظر ترجمة الحسن ص (230).
(¬3) سورة الكهف: آية (50).